دولي

أربع سنوات من الحرب بين محاولات الاغتيال والعواصف السياسية

مع اقتراب الذكرى الرابعة للغزو الروسي الشامل لأوكرانيا، يقف فولوديمير زيلينسكي شخصيةً محوريةً في واحدة من أعقد الحروب في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. الرجل الذي كان قبل سنوات قليلة ممثلًا كوميديًا، وجد نفسه هدفًا لمحاولات اغتيال، ومحاطًا بفضائح سياسية، ومضطرًا لإدارة حرب استنزاف طويلة ضد قوة عسكرية أكبر بكثير. ومع ذلك، ما يزال في موقعه.

من شائعات الهروب إلى “نحن هنا”

في فبراير 2022، ومع تقدم الدبابات الروسية نحو كييف، انتشرت شائعات عن فرار زيلينسكي. لكن ظهوره في مقطع فيديو ليلي أمام مبنى الرئاسة، محاطًا بمساعديه، وهو يقول ببساطة: “نحن هنا”، أصبح لحظة مفصلية في تاريخ الحرب.
كانت إزاحته جزءًا أساسيًا من خطة موسكو لإسقاط الدولة الأوكرانية سريعًا، وتشير تقارير إلى أن عملاء روس استأجروا شققًا قرب مكتب الرئاسة بهدف اغتياله.

ومنذ الأيام الأولى، تكررت محاولات استهدافه، لكن بقاءه في كييف شكّل رسالة داخلية وخارجية بأن القيادة لن تتخلى عن العاصمة. عبارته الشهيرة – حين عُرض عليه إجلاؤه – بأنه “بحاجة إلى ذخيرة لا إلى سيارة” تحولت إلى رمز للصمود، حتى وإن كانت الرواية محاطة بالجدل حول دقتها الحرفية.

زعيم غير متوقع

قبل دخوله السياسة، لم يكن زيلينسكي سياسيًا تقليديًا. اشتهر ببطولته لمسلسل “Servant of the People” حيث جسّد مدرسًا بسيطًا يصبح رئيسًا بشكل مفاجئ – قبل أن يتحول السيناريو الخيالي إلى واقع سياسي عندما فاز بالرئاسة عام 2019 بنسبة ساحقة.

خبرته في الإعلام والاتصال الجماهيري تحولت إلى أداة مركزية خلال الحرب. مقاطع الفيديو اليومية، المصوّرة أحيانًا بالهاتف المحمول، أبقت حضوره حاضرًا في وعي الأوكرانيين. لغته الخطابية المباشرة، وقدرته على مخاطبة الشعوب الغربية عبر برلماناتها، ساعدت في حشد دعم عسكري ومالي حاسم.

صدامات داخلية وتحديات عسكرية

لكن المسار لم يكن خطًا مستقيمًا. بعد النجاحات الأولى في صد الهجوم الروسي على كييف واستعادة مناطق واسعة، دخلت الحرب مرحلة استنزاف. تعثرت الهجمات المضادة، وتصاعد التوتر بين زيلينسكي والقائد العسكري الشعبي آنذاك، الجنرال فاليري زالوجني، الذي أُقيل عام 2024. القرار أثار جدلًا واسعًا، واعتبره البعض خطوة لإبعاد منافس سياسي محتمل.

كما واجهت حكومته فضائح فساد طالت مقربين منه، ما أدى إلى استقالات وإقالات في الدائرة الضيقة حوله. وبلغت الضغوط ذروتها حين خرج الأوكرانيون في احتجاجات نادرة زمن الحرب اعتراضًا على خطط لإضعاف هيئات مكافحة الفساد، ما اضطره إلى التراجع.

علاقة معقّدة مع واشنطن

اعتمدت أوكرانيا بشكل كبير على الدعم الأميركي. لكن عودة الرئيس الأميركي Donald Trump إلى البيت الأبيض أدخلت العلاقة في مرحلة شديدة الحساسية. فقد اتهم ترامب زيلينسكي بالتقصير، بل وألقى عليه باللوم في إشعال الحرب، في مواقف أثارت صدمة في كييف وأوروبا.

لقاء متوتر في البيت الأبيض مطلع 2025 شكّل نقطة انخفاض حادة في العلاقات. غير أن زيلينسكي، وفق مقربين منه، أعاد ضبط أسلوبه مع الإدارة الأميركية، محاولًا الموازنة بين الثبات على الموقف وإظهار الامتنان للدعم الأميركي، حتى وإن لم يُستأنف كامل الدعم العسكري.

شعبية متقلبة… لكنها صامدة

رغم كل ذلك، ما تزال نسب الثقة به مرتفعة نسبيًا مقارنة بزعماء في دول أخرى تعيش ظروفًا أقل قسوة. صحيح أن شعبيته تراجعت خلال فترات الإخفاق العسكري والفضائح، لكنها لم تنهَر. بالنسبة لكثير من الأوكرانيين، يظل الرجل الذي يجب أن يقود البلاد نحو أي تسوية قادمة.

في المقابل، يتساءل مراقبون عن مستقبله السياسي: هل سيترشح لولاية جديدة؟ وهل سيتمكن من الحفاظ على توازن دقيق بين مطالب الداخل وضغوط الخارج؟

إرهاق واضح… وإصرار مستمر

أربع سنوات من الحرب تركت آثارها على ملامحه؛ الإرهاق واضح، وساعات العمل تمتد من الفجر حتى منتصف الليل. ومع استمرار الضربات الروسية للبنية التحتية وتقدم موسكو البطيء على الجبهات الشرقية، تبدو المرحلة الحالية من أصعب المراحل.

ومع ذلك، فإن السمات التي ساعدته على البقاء – الجرأة، والقدرة على التواصل، والاستعداد للمواجهة – ما تزال حاضرة. كما قال أحد المقربين منه: إنه “يعرف كيف يتلقى الضربات ويواصل التقدم”.

بعد أربع سنوات من محاولات الاغتيال، والصدامات السياسية، والحرب المفتوحة، قد يكون السؤال لم يعد كيف بقي زيلينسكي في السلطة – بل إلى متى يستطيع الاستمرار في موازنة حرب لا نهاية واضحة لها مع ضغوط السياسة في الداخل والخارج. المحرر ش ع

مصادر الخبر :

  • CNN – تقرير من إعداد Ivana Kottasová وVictoria Butenko

  • مقابلات مع Volodymyr Zelensky ومسؤولين أوكرانيين

  • بيانات Kyiv International Institute of Sociology (KIIS)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى