
باشرت الجزائر أول عملية تطهير جزئي لأحد مواقع التفجيرات النووية التي أجرتها فرنسا في الصحراء الجزائرية خلال ستينات القرن الماضي، في خطوة وُصفت بأنها بداية مسار عملي لمعالجة إرث ثقيل لا يزال يلقي بظلاله الصحية والبيئية والسياسية حتى اليوم.
العملية، التي تأتي بعد عقود من الجدل حول آثار التفجيرات، أعادت إلى الواجهة ملف التجارب النووية الفرنسية التي أُجريت في منطقة رڤان ومحيطها، وكذلك في موقع إن إكر جنوب البلاد. وكانت تلك التجارب قد انطلقت مطلع عام 1960، حين فجّرت فرنسا أول قنبلة نووية لها في الصحراء الجزائرية ضمن ما عُرف بسلسلة تجارب “اليربوع”.
إرث إشعاعي مفتوح
بين عامي 1960 و1966، نفذت فرنسا 17 تجربة نووية في الأراضي الجزائرية، بعضها جوي في رڤان، وأخرى تحت الأرض في إن إكر. ورغم مرور أكثر من ستة عقود، لا تزال تقارير محلية ودولية تشير إلى بقاء مخلفات إشعاعية ومواد مدفونة في مواقع التفجير، وسط غياب خرائط دقيقة ومعلنة لمواضع دفن النفايات.
وتطالب الجزائر باريس منذ سنوات بتسليم خرائط دفن النفايات النووية، إضافة إلى تحمل مسؤولياتها في عمليات التطهير الشامل وتعويض الضحايا. في المقابل، أقرت فرنسا سابقًا قانونًا لتعويض ضحايا التجارب النووية، لكنه ظل محل انتقادات بسبب شروطه المعقدة ونطاقه المحدود.
أبعاد سياسية وذاكرية
الخطوة الجزائرية الجديدة تحمل بعدًا رمزيًا وسياديًا، إذ تعكس رغبة في استعادة التحكم في ملف ظل مرتبطًا بتاريخ الاستعمار الفرنسي للجزائر (1830–1962). كما تأتي في سياق توترات متقطعة بين البلدين حول قضايا الذاكرة والتاريخ الاستعماري.
ويرى متابعون أن بدء عملية تطهير، حتى وإن كانت جزئية، قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاطي العملي مع الملف، خاصة إذا ترافقت مع تعاون تقني فرنسي وتسليم وثائق الأرشيف المرتبطة بالتجارب.
بين العدالة البيئية والمصالحة التاريخية
يبقى السؤال الأبرز: هل تمثل هذه العملية بداية مسار طويل نحو معالجة شاملة للأضرار البيئية والصحية؟ أم أنها خطوة محدودة في ظل تعقيدات سياسية وقانونية مستمرة؟
المؤكد أن ملف التفجيرات النووية في الصحراء الجزائرية لم يعد مجرد قضية تاريخية، بل أصبح اختبارًا لمدى استعداد الطرفين لتحويل ملف الذاكرة من مصدر توتر إلى أرضية تعاون ومسؤولية مشتركة. المحرر ش ع
المصادر:
-
الأرشيف الرسمي لوزارة الدفاع الفرنسية حول التجارب النووية في الجزائر.
-
تقارير البرلمان الفرنسي بشأن قانون تعويض ضحايا التجارب النووية.
-
بيانات وتصريحات رسمية جزائرية حول ملف التطهير وتسليم الخرائط.
-
تقارير منظمات دولية معنية بالبيئة ونزع التلوث الإشعاعي.



