
في خطوة تشريعية أثارت عاصفة من الجدل، صادق الكنيست الإسرائيلي على قانون يتيح فرض عقوبة الإعدام على الفلسطينيين المدانين بتنفيذ هجمات، في قرار لا يمكن فصله عن سياق سياسي وأمني متوتر، ولا عن تحولات أعمق في بنية الخطاب الإسرائيلي تجاه الصراع.
تشريع أمني أم تحول أيديولوجي؟
تقدم الحكومة الإسرائيلية هذا القانون باعتباره أداة ردع في مواجهة ما تصفه بـ”الإرهاب”، غير أن صياغته تكشف بوضوح عن طابع غير متوازن، إذ يُطبّق عمليًا على الفلسطينيين دون الإسرائيليين، ما يطرح تساؤلات حول تحوله من إجراء أمني إلى أداة ذات بعد أيديولوجي.
وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، أحد أبرز الداعمين للقانون، يمثل تيارًا يمينيًا متطرفًا يدفع نحو سياسات أكثر تشددًا، وهو ما يعكس اتجاهًا متصاعدًا داخل الحكومة الحالية لإعادة تعريف قواعد الاشتباك، ليس فقط ميدانيًا، بل قانونيًا أيضًا.
أوروبا: الدفاع عن القيم أم عجز التأثير؟
جاء الرد الأوروبي سريعًا، حيث اعتبرت المفوضية الأوروبية القانون “خطوة إلى الوراء”، في تأكيد على تمسك الاتحاد الأوروبي برفض عقوبة الإعدام وبمبدأ المساواة أمام القانون.
لكن هذا الموقف، رغم وضوحه الأخلاقي، يطرح إشكالية الفاعلية؛ إذ نادرًا ما تتحول الإدانات الأوروبية إلى أدوات ضغط حقيقية على إسرائيل، ما يجعلها أقرب إلى “مواقف مبدئية” منها إلى سياسات مؤثرة.
واشنطن: ثبات الدعم رغم التناقض
على النقيض، اختارت الولايات المتحدة التمسك بموقفها التقليدي، القائم على دعم إسرائيل، مع التأكيد على “احترام سيادتها”. هذا الموقف يعكس أولوية التحالف الاستراتيجي على الاعتبارات الحقوقية، خاصة في ظل بيئة إقليمية مضطربة.
المفارقة أن واشنطن، التي لا تزال من الدول القليلة في الغرب التي تطبق عقوبة الإعدام، تجد نفسها في موقع دفاع غير مباشر عن قانون يثير انتقادات واسعة بسبب طابعه التمييزي.
نظام قانوني مزدوج؟
أخطر ما يطرحه هذا القانون هو تكريسه لفكرة “القانون المزدوج”: نظام قضائي مختلف للفلسطينيين في الضفة الغربية، وآخر للإسرائيليين. هذا الواقع حذر منه حتى بعض الأصوات داخل إسرائيل، مثل رام بن باراك، الذي اعتبر أن ذلك يقوّض القيم التي تدّعي الدولة الدفاع عنها.
في هذا السياق، لا يبدو القانون مجرد تعديل تشريعي، بل مؤشرًا على تحوّل أعمق نحو إعادة هندسة العلاقة القانونية بين الاحتلال والسكان الواقعين تحته.
أبعاد قانونية وحقوقية معقدة
قدمت جمعية الحقوق المدنية في إسرائيل طعنًا في القانون، مستندة إلى نقطتين أساسيتين: غياب السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية، وتعارض القانون مع المبادئ الدستورية التي تحظر التمييز.
هذه الطعون قد تفتح معركة قضائية داخلية، لكن نتيجتها ستعتمد إلى حد كبير على توازن القوى داخل المؤسسات الإسرائيلية نفسها.
تداعيات محتملة: نحو مزيد من التصعيد؟
فلسطينيًا، قوبل القانون برفض قاطع من حركة حماس والسلطة الفلسطينية، اللتين اعتبرتاه تصعيدًا خطيرًا و”شرعنة للقتل”. ومن المرجح أن يسهم هذا القرار في:
- زيادة التوتر في الضفة الغربية
- تغذية خطاب الكراهية والانتقام
- تعقيد أي مسار سياسي مستقبلي
بين الردع والانزلاق
تاريخيًا، لم تنفذ إسرائيل عقوبة الإعدام منذ إعدام أدولف أيخمان عام 1962، ما يجعل العودة إليها اليوم حدثًا استثنائيًا. لكن السؤال الأهم ليس قانونيًا فقط، بل أخلاقي وسياسي: هل يشكل هذا القانون أداة ردع فعلية، أم خطوة إضافية نحو نظام أكثر تمييزًا؟
القانون الجديد يتجاوز كونه إجراءً عقابيًا، ليعكس تحولات عميقة في بنية الدولة الإسرائيلية وخياراتها. وبينما تتمسك أوروبا بخطاب القيم، وتواصل واشنطن دعمها، يبقى الواقع على الأرض مرشحًا لمزيد من التعقيد.
في النهاية، قد لا يكون السؤال: هل سيُطبق القانون؟
بل: ماذا يكشف هذا القانون عن مستقبل الصراع؟ المحرر شريبط علي
المصادر
- فرانس 24
- بيانات المفوضية الأوروبية
- تصريحات وزارة الخارجية الأمريكية
- وكالة وفا الفلسطينية
- مواقف جمعية الحقوق المدنية في إسرائيل



