
طهران –
تشهد إيران منذ أيام موجة احتجاجات جديدة اندلعت على خلفية الغلاء الحاد وتدهور الأوضاع المعيشية، لكنها سرعان ما اتخذت أبعاداً سياسية أوسع، كما يظهر جلياً في الشعارات التي يرددها المتظاهرون في الشوارع والجامعات. فهذه الهتافات لا تعكس فقط حجم السخط الاقتصادي، بل تكشف أيضاً تحولات أعمق في المزاج الشعبي وموقف قطاعات متزايدة من المجتمع الإيراني تجاه النظام وسياساته.
من الأزمة الاقتصادية إلى رفض السياسات الإقليمية
برز في الأيام الأولى من الاحتجاجات شعار «لا غزة ولا لبنان، فلتكن حياتي فداء لإيران»، وهو شعار يعكس غضباً متراكماً من السياسة الخارجية لطهران، ورفضاً لتخصيص موارد مالية لدعم حلفاء إقليميين في وقت يعاني فيه المواطن الإيراني من تضخم جامح وانهيار غير مسبوق في قيمة العملة الوطنية.
ويأتي هذا الشعار في ظل أوضاع اقتصادية صعبة، حيث تجاوز سعر الدولار في السوق الموازية عتبة 1,4 مليون ريال، ما أدى إلى ارتفاع كبير في أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية لشرائح واسعة من المجتمع، من تجار وموظفين وطلاب.
كسر حاجز الخوف واتساع رقعة المشاركة
إلى جانب المطالب المعيشية، تعكس شعارات مثل «لا للخوف، كلنا معاً» و**«لا تبقوا متفرجين، انضموا إلينا»** تحوّلاً نفسياً لدى المحتجين، يتمثل في كسر حاجز الخوف والدعوة إلى الفعل الجماعي.
وقد اكتسبت هذه الشعارات رمزية خاصة مع انضمام طلاب جامعيين إلى التحركات، وظهور مشاهد لتضامن لافت بين طلاب وشريحة تجار البازار، التي لطالما اعتُبرت من الفئات المحافظة في المجتمع الإيراني.
الجامعات… بؤر احتجاج دائمة
عادت الجامعات لتلعب دوراً محورياً في الحراك، مع ترديد شعار «حرية! حرية! حرية!» داخل الحرم الجامعي وسكنات الطلبة. ويعكس ذلك استمرار دور الطلاب كقوة احتجاجية منظمة نسبياً، ترى في الأزمة الحالية أزمة مستقبل وحريات بقدر ما هي أزمة معيشية.
كما ردد الطلاب شعارات تطالب بالإفراج عن المعتقلين، في ظل انتشار أمني مكثف ومحاصرة بعض المجمعات الجامعية، ما ساهم في تأجيج الغضب بدلاً من احتوائه.
مخاطبة قوات الأمن ومحاولة تحييدها
ومن بين الشعارات اللافتة تلك الموجهة مباشرة إلى قوات الأمن، مثل «يا رجال الشرطة! ساندونا!». ويُفهم هذا الخطاب كمحاولة من المتظاهرين لشق الصفوف داخل الأجهزة الأمنية أو كسب تعاطفها، إدراكاً منهم للدور الحاسم الذي تلعبه هذه القوات في ترجيح كفة أي حراك احتجاجي.
استهداف رأس النظام وأساسه الفكري
الأكثر حساسية بالنسبة للسلطات هو تصاعد الشعارات التي تستهدف المرشد الأعلى علي خامنئي، مثل «الموت للديكتاتور»، إلى جانب هتافات تطعن مباشرة في مبدأ «ولاية الفقيه» الذي يقوم عليه النظام السياسي في إيران.
وتشير هذه الشعارات إلى انتقال الاحتجاج من مستوى المطالب الإصلاحية إلى رفض بنيوي للنظام نفسه، وهو ما يفسر تشدد التحذيرات الرسمية من «استغلال الاحتجاجات لزعزعة الاستقرار».
حيرة البديل ورفضه في آن واحد
وفي الوقت الذي ظهرت فيه شعارات مؤيدة لعودة النظام الملكي، من قبيل «سيعود بهلوي»، برزت في المقابل هتافات مثل «لا شاه ولا ملا»، ما يعكس انقساماً في الرؤى حول البديل السياسي، ورفضاً في الوقت نفسه لكل من النظام الحالي ونموذج الحكم السابق.
تكشف شعارات الاحتجاجات الأخيرة في إيران أن ما يجري يتجاوز بكثير أزمة اقتصادية عابرة. فهي تعكس غضباً اجتماعياً متراكماً، وتآكلاً في شرعية السياسات الداخلية والخارجية، وتنامي جرأة الشارع في تحدي رموز النظام وأسس حكمه.
ورغم أن حجم هذه الاحتجاجات لا يزال أقل من موجات سابقة، إلا أن مضمون شعاراتها يوحي بأن الأزمة أعمق، وأن الأسئلة المطروحة اليوم في الشارع الإيراني تتعلق بشكل الدولة ومستقبلها، لا فقط بأسعار السلع ومستوى المعيشة. المحرر ش ع
المصادر
-
تقرير «الاحتجاجات بتركيبة مختلفة تختبر قدرة إيران على الاحتواء» – الجزيرة نت الجزيرة نت
-
تقرير «احتجاجات إيران: في يومها الخامس» – الحدث بلس alhadathplus.com
-
2025–2026 Iranian protests – ويكيبيديا (تفصيل عن الشعارات) Wikipédia
-
تقرير «Day four of Iran protests» – Iran International ایران اینترنشنال | Iran International
-
Iran’s protests led by shopkeepers – Le Monde lemonde.fr



