دولي

الحرب ترفع كلفة المال.. أزمة السندات تهدد الاقتصاد العالمي

أوراس

لم تعد تداعيات الحرب تقتصر على ساحات القتال وأسواق الطاقة، إذ بدأت آثارها تمتد بقوة إلى الأسواق المالية العالمية، في وقت يواجه فيه الاقتصاد الدولي ارتفاعًا متزايدًا في كلفة الاقتراض، وسط مخاوف من تحول أزمة السندات إلى عامل جديد يضغط على النمو والاستثمارات.

وبحسب تحليل نشرته شبكة “سي إن إن”، فإن مؤشرات التحذير بدأت تبرز في سوق السندات الأمريكية، الذي يعد من أهم الأسواق المالية في العالم، مع ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية وتزايد قلق المستثمرين من التضخم والديون الحكومية وتكاليف الحرب المتصاعدة.

الحرب والطاقة والتضخم

أدى استمرار الحرب مع إيران لأكثر من ستة أشهر، وفق التحليل، إلى اضطراب تدفقات الطاقة وارتفاع أسعار النفط ومشتقاته، بما في ذلك البنزين والديزل ووقود الطائرات.

ويزيد ارتفاع أسعار الطاقة من الضغوط التضخمية، الأمر الذي يدفع المستثمرين إلى المطالبة بعوائد أعلى مقابل إقراض الحكومات أموالًا، ما يرفع بدوره كلفة الاقتراض في مختلف قطاعات الاقتصاد.

وفي الولايات المتحدة، ارتفع عائد سندات الخزانة لأجل عشر سنوات إلى أعلى مستوياته منذ نحو ثلاث سنوات، في مؤشر يعكس حجم المخاوف داخل الأسواق المالية.

ولا تتوقف المشكلة عند الحكومة الأمريكية، إذ إن ارتفاع عوائد السندات يعني عمليًا ارتفاع فوائد القروض العقارية، وزيادة كلفة تمويل الشركات، فضلًا عن تضخم الأعباء المالية على الحكومات.

أزمة عالمية

ولا تقتصر الظاهرة على الولايات المتحدة، إذ تشهد عدة اقتصادات كبرى ارتفاعًا ملحوظًا في عوائد السندات الحكومية.

ففي ألمانيا، سجل العائد على السندات لأجل عشر سنوات مستويات لم تشهدها البلاد منذ عام 2011، بينما بلغ العائد على السندات البريطانية لأجل ثلاثين عامًا أعلى مستوياته منذ عام 1998.

أما في اليابان، فقد تجاوز العائد على السندات الحكومية لأجل عشر سنوات نسبة 3% للمرة الأولى منذ عام 1996، في ظل عودة التضخم إلى الاقتصاد الياباني بعد عقود من الاستقرار النسبي للأسعار.

وتشير هذه التطورات إلى أن الأسواق المالية العالمية تواجه مشكلة مشتركة تتمثل في ارتفاع مستويات الاقتراض والإنفاق الحكومي، بالتزامن مع عودة التضخم وتصاعد التوترات الجيوسياسية.

حروب مكلفة وديون متضخمة

تعد تكلفة الحروب أحد أبرز العوامل التي تزيد الضغط على أسواق السندات، إذ تتطلب العمليات العسكرية إنفاقًا ضخمًا غالبًا ما يتم تمويل جزء منه عبر الاقتراض.

وفي الولايات المتحدة، تزيد الحرب من حجم الإنفاق الدفاعي، في وقت تجاوز فيه الدين الوطني الأمريكي 40 تريليون دولار.

كما أن ارتفاع أسعار الفائدة يجعل خدمة هذا الدين أكثر كلفة، حيث بلغت النفقات الأمريكية على الفوائد الصافية مئات المليارات من الدولارات خلال السنة المالية الحالية، متجاوزة الإنفاق على الدفاع الوطني.

وتتوقع تقديرات أن تتجاوز النفقات الصافية الأمريكية على فوائد الدين 16 تريليون دولار خلال العقد المقبل، ما يثير مخاوف من تحول خدمة الدين إلى أحد أكبر أعباء الميزانية الأمريكية.

من يدفع الثمن؟

لا تبقى أزمة السندات داخل المؤسسات المالية، إذ تنتقل آثارها سريعًا إلى الاقتصاد الحقيقي.

فعندما ترتفع عوائد السندات، ترتفع معها كلفة رأس المال، ما يعني أن الشركات ستدفع فوائد أكبر لتمويل مشاريعها، بينما تواجه المؤسسات الصغيرة والمتوسطة صعوبات إضافية في الحصول على القروض اللازمة للتوسع.

كما يصبح شراء المنازل أكثر كلفة بالنسبة للأسر بسبب ارتفاع أسعار الرهن العقاري، الأمر الذي قد يؤدي إلى تباطؤ الاستهلاك والاستثمار والنمو الاقتصادي.

ويخشى خبراء من دخول الاقتصاد في حلقة مفرغة؛ فكلما طال أمد الحرب، ارتفعت أسعار الطاقة، وزادت الضغوط التضخمية، ما يدفع عوائد السندات إلى الصعود ويزيد كلفة الاقتراض، وهو ما قد ينعكس سلبًا على الأسواق والنمو الاقتصادي.

ضغط إضافي من الذكاء الاصطناعي

وفي الوقت الذي تحتاج فيه الحكومات إلى الاقتراض لتمويل الإنفاق والديون، تواجه منافسة متزايدة من الشركات الكبرى التي تضخ استثمارات ضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وتنفق شركات التكنولوجيا تريليونات الدولارات على مراكز البيانات والبنية التكنولوجية، ويتم تمويل جزء كبير من هذه المشاريع عبر أسواق السندات.

ويعني ذلك زيادة الطلب على الأموال المتاحة في أسواق الاقتراض، ما قد يزيد المنافسة بين الحكومات والشركات ويرفع كلفة التمويل.

هل تستطيع الحكومات السيطرة؟

حاولت وزارة الخزانة الأمريكية خلال الأسابيع الماضية التدخل لتهدئة اضطرابات سوق السندات، إلا أن هذه الإجراءات لم تحقق نتائج دائمة، وفق تحليل “سي إن إن”.

ويرى خبراء أن المشكلة لا تتعلق فقط بالتقلبات المؤقتة في الأسواق، بل بعوامل أكثر عمقًا، أبرزها العجز المالي الكبير، وتضخم الدين العام، واستمرار الإنفاق العسكري.

ومع استمرار الحرب والضغوط التضخمية، قد تجد البنوك المركزية نفسها أمام خيارات صعبة بين دعم النمو الاقتصادي ومواجهة التضخم.

وفي المحصلة، يبدو أن الحرب لم تعد قضية عسكرية أو جيوسياسية فقط، بل أصبحت عاملًا مؤثرًا في أسعار الفائدة والديون والأسواق المالية العالمية.

وبين ارتفاع كلفة الطاقة وتضخم الإنفاق العسكري وتزايد الديون، تواجه الاقتصادات الكبرى اختبارًا جديدًا، قد تكون نتائجه ملموسة بالنسبة للحكومات والشركات والمواطنين على حد سواء.

المصادر:

  • شبكة CNN، تحليل مات إيغان: “الحرب ترفع كلفة المال، وهذه مشكلة للاقتصاد العالمي”، 2 سبتمبر/أيلول 2026.
  • المصدر نفسه، بشأن ارتفاع عوائد السندات عالميًا وتداعيات الحرب والطاقة والتضخم.
  • المصدر نفسه، بشأن تكاليف الحرب والدين الأمريكي وتأثير ارتفاع الفوائد على الاقتصاد.

المحرر شريبط علي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى