دولي

لماذا تفضّل بكين الحسابات الباردة على دعم طهران في زمن الحرب؟

في خضم التصعيد العسكري الأميركي–الإسرائيلي ضد إيران، اكتفت الصين بإدانة سياسية للهجمات، من دون أن تترجم موقفها إلى دعم عملي لحليفتها الإستراتيجية. هذا التريّث أثار تساؤلات واسعة، خاصة أن بكين تُعد الشريك التجاري الأكبر لطهران وأكبر مستورد لنفطها، فيما تمر نسبة معتبرة من وارداتها الطاقوية عبر مضيق هرمز المهدد بالاضطراب.

إدانة سياسية… بلا مظلة عسكرية

أعلن وزير الخارجية الصيني وانغ يي أن مهاجمة إيران خلال مسار تفاوضي أمر “غير مقبول”، في إشارة إلى الضربات التي تزامنت مع جهود دبلوماسية سابقة. لكن هذا الخطاب لم يتبعه أي تحرك عسكري أو أمني مباشر، سواء عبر تزويد إيران بأنظمة دفاعية متقدمة أو عبر تحركات بحرية في الخليج.

القراءة الأولية تشير إلى أن بكين توازن بين رغبتها في إظهار نفسها كقوة دولية مسؤولة، وبين حرصها على تجنب الانجرار إلى صراع مفتوح في منطقة بعيدة جغرافياً لكنها شديدة الحساسية اقتصادياً.

براغماتية المصالح فوق التحالفات

ترتبط الصين وإيران باتفاق تعاون إستراتيجي وُقع عام 2021، يقضي باستثمارات صينية تصل إلى 400 مليار دولار على مدى 25 عاماً. غير أن تنفيذ الاتفاق ظل بطيئاً بفعل العقوبات الأميركية وتعقيدات النظام المالي الدولي.

ورغم أن الصين تشتري ما يقارب 90% من صادرات النفط الإيرانية، فإن هذه الكمية لا تمثل سوى نحو 12% من إجمالي وارداتها النفطية. بمعنى آخر، خسارة النفط الإيراني ستكون مؤلمة لكنها ليست قاتلة للاقتصاد الصيني، خصوصاً بعد بناء احتياطي نفطي إستراتيجي كبير وتوسيع الاعتماد على السيارات الكهربائية.

في المقابل، تتجاوز استثمارات الصين في السعودية والإمارات بكثير استثماراتها في إيران. أي انحياز عسكري مباشر لطهران قد يهدد علاقات بكين مع شركاء خليجيين يمثلون ثقلاً اقتصادياً وطاقوياً محورياً في مبادرة “الحزام والطريق”.

تجنب استنزاف أميركي غير مباشر

من منظور إستراتيجي، قد ترى بكين في انخراط الولايات المتحدة عسكرياً في الشرق الأوسط عاملاً مُنهِكاً لقدراتها، خصوصاً في ظل التوتر المتصاعد حول تايوان. فكل صاروخ يُطلق في الخليج هو مورد لا يُخزَّن في المحيط الهادئ.

كما تتيح الحرب للصين فرصة مراقبة التكتيكات والتقنيات العسكرية الأميركية الحديثة عن كثب، من دون أن تتحمل هي تكلفة المواجهة. بهذا المعنى، فإن الحياد النسبي يمنح بكين مكاسب استخباراتية وسياسية في آن واحد.

دروس من تجارب سابقة

اتبعت الصين نهجاً مشابهاً في أزمات سابقة، حيث فضّلت حماية مصالحها الاقتصادية والاستعداد للتعامل مع أي سلطة جديدة بدل الرهان على طرف واحد حتى النهاية. هذا السلوك يعكس فلسفة صينية قائمة على استقرار المصالح لا استقرار الأنظمة.

حسابات الطاقة والممرات البحرية

يبقى مضيق هرمز نقطة القلق الأكبر لبكين. فتعطّل الملاحة فيه قد يرفع أسعار النفط عالمياً، ما ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني الذي يواجه تباطؤاً داخلياً وضغوطاً خارجية. لذا تعمل الصين على تنويع مصادر الطاقة، وتعزيز خطوط الإمداد البرية عبر آسيا الوسطى وروسيا، وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية المهددة.

صورة القوة المسؤولة

في خطابها الرسمي، تحرص بكين على تصوير نفسها كمدافع عن سيادة الدول ومعارضة لسياسة “تغيير الأنظمة”. غير أن ترجمة هذا الخطاب إلى تحرك عسكري مباشر قد يناقض مبدأها التقليدي القائم على عدم التدخل.

وعليه، يمكن القول إن الصين لا ترى في دعم إيران عسكرياً استثماراً إستراتيجياً رابحاً حالياً، بل مخاطرة قد تُفقدها توازن علاقاتها في الخليج وتجرّها إلى صراع طويل الأمد لا يخدم أولوياتها الكبرى. المحرر ش ع


المصادر:

  • صحيفة وول ستريت جورنال

  • وكالة رويترز

  • تصريحات وزارة الخارجية الصينية

  • تقارير مراكز أبحاث دولية حول العلاقات الصينية–الإيرانية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى