دولي

المياه تحت الحصار في الضفة الغربية: عندما تتحول الآبار إلى ساحة صراع

في مشهد يعكس تعقيدات الصراع في الضفة الغربية، لم تعد المواجهات تقتصر على الأرض فقط، بل امتدت إلى أحد أهم عناصر الحياة: المياه. تقارير حديثة تكشف تصاعد استهداف مصادر المياه الفلسطينية من قبل مستوطنين إسرائيليين، ما يهدد حياة آلاف السكان ويعمّق أزمة إنسانية قائمة منذ عقود.

اعتداءات متكررة على البنية التحتية
في منطقة عين سامية شمال شرق رام الله، تعرضت محطة ضخ مياه حيوية لهجمات متكررة، شملت تخريب المعدات وقطع الأنابيب وإتلاف الأنظمة الكهربائية. هذه المحطة تغذي نحو 100 ألف فلسطيني في أكثر من 20 تجمعًا سكانيًا، ما يجعل أي استهداف لها ذا تأثير مباشر على حياة السكان.

ولا تقتصر الاعتداءات على هذه المنطقة، إذ تشير بيانات أممية إلى ارتفاع كبير في الهجمات على منشآت المياه في السنوات الأخيرة، في ظل تصاعد العنف المرتبط بالمستوطنات.

المياه كسلاح ضغط
يرى خبراء أن استهداف الموارد المائية لم يعد مجرد أعمال تخريب عشوائية، بل جزء من نمط أوسع للسيطرة. فـإسرائيل تسيطر منذ عام 1967 على الجزء الأكبر من الموارد المائية في الضفة الغربية، وتدير نحو 80% منها وفق اتفاقيات مرحلية لم تُحدّث منذ التسعينيات.

في المقابل، يعاني الفلسطينيون من قيود مشددة على حفر الآبار أو إصلاح البنية التحتية، ما يجعلهم يعتمدون جزئيًا على شراء المياه من شركات إسرائيلية بتكلفة مرتفعة.

فجوة صارخة في الاستهلاك
تكشف الأرقام عن تفاوت حاد في استهلاك المياه:

  • الإسرائيليون: نحو 247 لترًا يوميًا للفرد
  • الفلسطينيون في الضفة: نحو 82 لترًا فقط، وقد ينخفض إلى 26 لترًا في بعض المناطق

وهذه المعدلات تقل عن الحد الأدنى الذي توصي به منظمة الصحة العالمية، ما يضع العديد من التجمعات تحت خط الفقر المائي.

تداعيات على الزراعة والحياة اليومية
في قرية بردلة بالأغوار، يروي المزارعون كيف أدت القيود والهجمات إلى فقدانهم الوصول إلى آبارهم وأراضيهم الزراعية. ومع نقص المياه، تتضرر المحاصيل وتنفق المواشي، ما يهدد مصدر رزقهم وهويتهم المرتبطة بالأرض.

يقول أحد المزارعين: “الماء ليس فقط للشرب، بل هو أساس الحياة والزراعة. بدونه لا يمكن الاستمرار.”

تصاعد الاستيطان والسيطرة على الموارد
شهدت السنوات الأخيرة توسعًا في إنشاء البؤر الاستيطانية، غالبًا بالقرب من مصادر المياه. ومع ظهور هذه البؤر، تتزايد القيود على الفلسطينيين، بما في ذلك منع الوصول إلى الآبار أو تحويل مسارات المياه.

وتشير تقارير إلى أن عدد المنشآت المائية التي تعرضت للتخريب أو السيطرة ارتفع بشكل كبير، ما يعكس تحول المياه إلى أداة ضمن الصراع الأوسع على الأرض.

مواقف متباينة
من جانبها، تقول السلطات الإسرائيلية إن مسؤولية تزويد الفلسطينيين بالمياه تقع على عاتق السلطة الفلسطينية، مشيرة إلى تحويل كميات سنوية من المياه. كما تنفي استخدام المياه كوسيلة للضغط.

في المقابل، ترى منظمات حقوقية أن القيود المفروضة والسيطرة على الموارد تمثل سياسة ممنهجة تؤثر على قدرة الفلسطينيين على البقاء.


تكشف أزمة المياه في الضفة الغربية عن بُعد جديد للصراع، حيث تتحول الموارد الحيوية إلى أدوات نفوذ وسيطرة. وبين الهجمات الميدانية والقيود الإدارية، يجد الفلسطينيون أنفسهم في مواجهة تحدٍ يومي لتأمين أبسط مقومات الحياة. ومع استمرار هذا الواقع، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن فصل المياه عن الصراع، أم أنها ستظل في قلبه؟  المحرر شريبط علي

المصادر:

  • تقرير سي إن إن حول استهداف مصادر المياه في الضفة الغربية (2026).
  • بيانات الأمم المتحدة بشأن الاعتداءات على البنية التحتية للمياه.
  • تقارير منظمات حقوقية مثل “بتسيلم” و”إير عميم”.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى