
عيش عائلات فلسطينية في قرية قصرة بالضفة الغربية المحتلة تحت حصار فرضه مستوطنون إسرائيليون حول منازلها، في مشهد يعكس تصاعد الاعتداءات والتهجير القسري بحق الفلسطينيين في مناطق مختلفة من الضفة.
وتتمركز مجموعة من المستوطنين فوق تلة تضم ثلاثة منازل فلسطينية، من بينها منزل بناه الفلسطيني الأمريكي لؤي ريدي لابنتيه، قبل أن يتحول حلم العائلة بالعودة إلى جذورها إلى مواجهة مفتوحة مع المستوطنين.
وبحسب CNN، نصب المستوطنون خيمة في المنطقة، وقطعوا خطوط المياه والكهرباء، كما أغلقوا الطرق المؤدية إلى المنازل، ما أدى إلى عزل أفراد العائلات الموجودة في المكان.
وقال قصي ريدي، شقيق لؤي، إنه بقي داخل المنزل برفقة ابنه مع كمية من الطعام تكفي يومين أو ثلاثة فقط، مؤكدا أن المستوطنين يريدون السيطرة على المنزل والتلة.
وأضاف: “لن نستسلم ولن نغادر، حتى لو اضطررنا إلى شرب المياه المالحة ولم تبقَ قطعة خبز واحدة في هذا المنزل.”

جنود إسرائيليون يدخلون على خط الأزمة
وأثارت التطورات صدمة لدى العائلة، بعدما وصل جنود إسرائيليون إلى المنطقة، في وقت أفاد لؤي ريدي بأنه شاهد عبر كاميرات المراقبة جنودا يحيون المستوطنين قبل أن ينضم بعضهم إليهم في الصلاة.
وفي وقت لاحق، حاولت القوات الإسرائيلية تفكيك خيمة المستوطنين وإبعادهم عن المنطقة، لكن العملية لم تستمر طويلا، بعدما وصل عشرات المستوطنين الإضافيين، ونقلوا حجارة إلى الطريق ورشقوا قوات الأمن بالحجارة.
واستخدمت القوات الإسرائيلية قنابل صوتية ورذاذ الفلفل، قبل أن تنسحب من المكان.
وعندما حاول صحفيون الوصول إلى المنازل، أوقفهم جنود إسرائيليون وأبلغوهم بأن المنطقة أصبحت “منطقة عسكرية مغلقة”، رغم أن الأمر نفسه يفترض أن يشمل المستوطنين الموجودين في المنطقة.
إخلاء فلسطينيين من منازلهم
وفي تطور زاد من مخاوف العائلات، دفعت القوات الإسرائيلية بأكثر من كتيبة مشاة إلى المنطقة، قائلة إنها تهدف إلى “حماية السكان والحفاظ على الأمن”.
لكن أولى خطوات العملية تمثلت في إخراج أكثر من 12 عائلة فلسطينية من منازلها، من بينها عائلة قصي، بحجة استخدام المنازل مؤقتا كقواعد للقوات التي تنفذ عمليات ضد المستوطنين.
وأعرب قصي عن خشيته من أن يتحول الإخلاء المؤقت إلى خطوة تمهد لتسليم المنازل للمستوطنين.
وبعد ساعات، تراجعت القوات الإسرائيلية عن قرار الإخلاء، مؤكدة أن سكان قصرة سيبقون في منازلهم.
قصرة ليست حالة منفردة
ولا تبدو واقعة قصرة معزولة عن نمط أوسع تشهده الضفة الغربية.
فالمستوطنون أنفسهم الذين يحاصرون منازل الفلسطينيين في قصرة سبق أن حاصروا الشهر الماضي منزل عائلة فلسطينية في قرية جالود المجاورة لأكثر من أسبوعين، وانتهى الأمر بمغادرة محمود طباسي وعائلته منزلهم.
وتقول تقارير إن المستوطنين دخلوا المنزل بعد مغادرة العائلة، ووضعوا على سطحه علما ذا رمزية دينية قومية، يُستخدم من قبل مستوطنين متطرفين للتعبير عن مطالبات بالسيطرة على الأراضي والممتلكات الفلسطينية.
ويقول سكان المنطقة إن تهديدات مماثلة طالت عائلات أخرى، وسط مخاوف من توسع عمليات الاستيلاء على المنازل والأراضي.
أكثر من 3200 فلسطيني نزحوا منذ بداية العام
وتأتي هذه التطورات في ظل تصاعد العنف الاستيطاني في الضفة الغربية منذ اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر 2023.
ووفقا للأمم المتحدة، نزح أكثر من 3200 فلسطيني في أنحاء الضفة الغربية خلال عام 2026 وحده، نتيجة هجمات المستوطنين وعمليات هدم المنازل.
وتتزامن هذه الاعتداءات مع تصريحات لمسؤولين إسرائيليين متطرفين تدعو إلى ضم أجزاء من الضفة الغربية، في وقت أقرت فيه الحكومة الإسرائيلية الشهر الماضي خططا لتخصيص نحو 800 مليون دولار لإنشاء مستوطنات يهودية جديدة وشق طرق لخدمتها، إلى جانب إضفاء شرعية على عشرات البؤر الاستيطانية.
انتقادات أمريكية للمستوطنين
وحاول لؤي ريدي، بصفته مواطنا أمريكيا، الحصول على مساعدة من السفارة الأمريكية في القدس لحماية منزله، إلا أنه تلقى توجيهات بالتواصل مع السلطات الإسرائيلية.
وبعد خمسة أيام من بدء الحصار، أدان السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي ما وصفه بأنه “عمل إرهابي مروع يهدف إلى الترهيب والمضايقة”، مؤكدا أن السفارة منخرطة بشكل كبير في القضية.
لكن بالنسبة إلى عائلة ريدي، لا تزال المخاوف قائمة بشأن مصير المنزل ومستقبل العائلة في المنطقة.
ويقول لؤي ريدي إن مطلبهم بسيط: العيش بسلام وكرامة داخل منزلهم، من دون أن يقف شخص أمام أبوابهم بانتظار مهاجمتهم.
وتعيد أحداث قصرة إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا حساسية في الضفة الغربية: توسع الاستيطان والاعتداءات على الفلسطينيين، وما إذا كانت الإجراءات الأمنية الإسرائيلية قادرة فعلا على حماية السكان الفلسطينيين ومنع تهجيرهم من منازلهم وأراضيهم.
المصادر
- شبكة CNN، تقرير “Trapped and cut off: Palestinian families under settler siege in the West Bank”، 13 أغسطس 2026.
- مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، تقرير الوضع الإنساني، يوليو 2026.
- تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي بشأن أحداث قصرة.
المحرر شريبط علي



