
أوراسtv | تحليل
عاد الجدل حول إصلاح مجلس الأمن الدولي إلى الواجهة، بعد دعوة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى إلغاء حق النقض «الفيتو» وإنهاء نظام العضوية الدائمة، مع منح الجمعية العامة للأمم المتحدة دورا أوسع في اختيار أعضاء المجلس.
وتأتي دعوة أردوغان في وقت يواجه فيه مجلس الأمن انتقادات متكررة بسبب عجزه عن اتخاذ قرارات حاسمة بشأن عدد من الأزمات الدولية، من الحرب في غزة إلى الحرب الروسية الأوكرانية، إضافة إلى أزمات أخرى تشهدها المنطقة.
وقال أردوغان إن ترك معالجة الأزمات العالمية لإرادة عدد محدود من العواصم لم يعد منسجما مع طبيعة العالم الحالي، داعيا إلى نظام أكثر شمولا لجميع أعضاء الأمم المتحدة.
خمسة أعضاء يملكون حق النقض
يتكون مجلس الأمن حاليا من 15 عضوا، بينهم خمسة أعضاء دائمين هم الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا، إلى جانب عشرة أعضاء غير دائمين تنتخبهم الجمعية العامة لمدة عامين.
ويمثل «الفيتو» إحدى أبرز الصلاحيات التي يتمتع بها الأعضاء الدائمون. وبموجب المادة 27 من ميثاق الأمم المتحدة، تحتاج القرارات الموضوعية إلى تسعة أصوات مؤيدة، على أن تشمل الأصوات المؤيدة لأعضاء المجلس الدائمين؛ وبالتالي فإن تصويت أحدهم ضد القرار يمنع اعتماده.
وقد جعل هذا النظام مجلس الأمن ساحة أساسية للصراع الدبلوماسي بين القوى الكبرى، خصوصا في الملفات التي تتعارض فيها المصالح السياسية والاستراتيجية للدول الدائمة العضوية.
ماذا يقترح أردوغان؟
يرى الرئيس التركي أن إصلاح المجلس ينبغي ألا يقتصر على زيادة عدد أعضائه، بل أن يشمل إعادة النظر في نظام العضوية الدائمة نفسه وإلغاء حق النقض.
وفي هذا السياق، دعا إلى منح الجمعية العامة للأمم المتحدة صلاحيات أكبر، بما يسمح بانتخاب جميع أعضاء مجلس الأمن لفترات محددة.
وبحسب هذا التصور، ستصبح الدول الراغبة في الحصول على عضوية المجلس مطالبة بالحصول على ثقة أغلبية الدول الأعضاء، بدلا من الاعتماد على نظام العضوية الدائمة القائم منذ تأسيس المنظمة الدولية.
كما دعا رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى إصلاحات تضمن تمثيلا أكثر عدالة داخل مجلس الأمن وإنهاء حق النقض، معتبرا أن امتلاك دولة ما القدرة على لعب دور الخصم والحكم في النزاع نفسه يثير إشكالات تتعلق بآلية اتخاذ القرار.
هل يمكن إلغاء «الفيتو» فعلا؟
من الناحية القانونية، لا يكفي صدور قرار من الجمعية العامة لإلغاء حق النقض، لأن الأمر يتطلب تعديلا لميثاق الأمم المتحدة.
وتنص المادة 108 من الميثاق على أن أي تعديل يحتاج إلى موافقة ثلثي أعضاء الجمعية العامة، ثم تصديق ثلثي الدول الأعضاء، على أن تشمل عملية التصديق جميع الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن.
وهنا تكمن إحدى أكبر العقبات أمام إلغاء «الفيتو»، إذ إن الدول الخمس التي تتمتع بهذه الصلاحية مطالبة، وفقا للإجراءات القانونية، بالموافقة على تعديل يمس الامتياز الذي يمنحه لها النظام الحالي.
وبالتالي، فإن تحويل دعوة أردوغان إلى واقع يحتاج إلى توافق دولي واسع، وليس مجرد أغلبية داخل الجمعية العامة.
إصلاح المجلس.. بين التوسعة وإلغاء الفيتو
لا يقتصر الجدل الدولي على إلغاء حق النقض، إذ توجد مقترحات أخرى تدعو إلى توسيع مجلس الأمن وإضافة دول جديدة، ولا سيما دول من إفريقيا ومناطق أخرى ترى أنها لا تحظى بتمثيل يتناسب مع وزنها السكاني والسياسي والاقتصادي.
وتؤكد الأمم المتحدة أن إصلاح تركيبة مجلس الأمن نفسه يخضع أيضا لإجراءات تعديل الميثاق المنصوص عليها في المادة 108.
لكن التوسعة تطرح بدورها سؤالا حساسا: هل تحصل الدول الجديدة على حق النقض أم تكتفي بعضوية دائمة من دون هذه الصلاحية؟
وهذا الخلاف يجعل عملية الإصلاح أكثر تعقيدا، لأن منح أعضاء جدد حق النقض قد يزيد عدد مراكز التعطيل داخل المجلس، بينما إبقاء الامتياز محصورا في الدول الخمس الحالية قد لا يحقق الهدف الذي تطالب به الدول الداعية إلى إصلاح أكثر تمثيلا.
سجل طويل لاستخدام «الفيتو»
تاريخيا، كان الاتحاد السوفياتي، ثم روسيا بعد تفككه، الأكثر استخداما لحق النقض، فيما تأتي الولايات المتحدة في المرتبة التالية، وفقا للبيانات الواردة في المادة الأصلية.
وفي السنوات الأخيرة، برز استخدام «الفيتو» بصورة خاصة في ملفات الشرق الأوسط، حيث أدت اعتراضات أعضاء دائمين إلى منع صدور قرارات كان مجلس الأمن قد حصل فيها على العدد المطلوب من الأصوات.
وتقدم القضية الفلسطينية مثالا واضحا على طبيعة هذا النظام. ففي أبريل عام 2024، رفض مجلس الأمن طلبا يتعلق بقبول عضوية فلسطين الكاملة في الأمم المتحدة، رغم حصول مشروع القرار على العدد المطلوب من الأصوات، بعدما صوتت الولايات المتحدة ضده.
كما شهد يونيو عام 2025 واقعة مماثلة عندما رفض مجلس الأمن مشروع قرار بشأن وقف إطلاق النار في غزة بعدما استخدمت الولايات المتحدة حق النقض، رغم حصول المشروع على العدد المطلوب من الأصوات.
إصلاح مؤجل أم تغيير ممكن؟
تكشف دعوة أردوغان عن فجوة مستمرة بين بنية مجلس الأمن التي تشكلت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، والتحولات التي عرفها النظام الدولي خلال العقود اللاحقة.
لكن الانتقال من الدعوة السياسية إلى التغيير القانوني يظل مسارا شديد التعقيد، لأن إصلاح المجلس يتطلب تعديل ميثاق الأمم المتحدة، وهو ما يستوجب في النهاية موافقة جميع الأعضاء الدائمين.
ولهذا، فإن النقاش حول «الفيتو» لا يتعلق فقط بطريقة التصويت داخل مجلس الأمن، وإنما بطبيعة النظام الدولي نفسه: هل يبقى المجلس قائما على امتيازات القوى الكبرى التي أسست النظام بعد الحرب العالمية الثانية، أم يتجه نحو صيغة أكثر تمثيلا للدول الأعضاء؟
وفي انتظار توافق دولي حول هذه المسألة، يبقى إلغاء حق النقض مقترحا سياسيا مطروحا بقوة في النقاش الدولي، لكن تحويله إلى تعديل فعلي في ميثاق الأمم المتحدة يظل مرتبطا بموافقة القوى الخمس التي تمتلكه حاليا.
المصادر
- الأمم المتحدة – ميثاق الأمم المتحدة والمادتان 27 و108.
- مجلس الأمن الدولي – نظام التصويت وحق النقض.
- الأمم المتحدة – إصلاح مجلس الأمن وإجراءات تعديل الميثاق.
- الأمم المتحدة – سجلات استخدام حق النقض في قضايا فلسطين وغزة.
- المادة الأصلية المرفقة بالمحادثة.
المحرر شريبط علي



