دولي

الإمارات في بؤر الصراع.. كيف تحول النفوذ الإقليمي إلى مصدر توتر من السودان إلى الجزائر؟

أوراس tv| تحليل ووكالات

لم يعد الدور الإماراتي في الأزمات الإقليمية والأفريقية مجرد موضوع للنقاش السياسي، بل أصبح محل دراسات وتقارير دولية متزايدة، خصوصًا مع تصاعد الاتهامات الموجهة إلى أبوظبي بشأن دعم أطراف مسلحة في السودان وليبيا والصومال، وتزايد التوتر مع الجزائر على خلفية تباين المواقف بشأن ملفات شمال أفريقيا والساحل والصحراء الغربية.

وتبرز دراسة حديثة للمعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، أعدها الباحثون غريت كورتس وفولفرام لاخر وستيفان رول، الإمارات باعتبارها من أكثر القوى الخارجية انخراطًا في عدد من النزاعات الأفريقية، مع اعتمادها بدرجة كبيرة على شركاء محليين بدل التدخل العسكري المباشر.

السودان.. الملف الأكثر حساسية

يشكل السودان أبرز ساحات الجدل بشأن الدور الإماراتي.

فبحسب الدراسة الألمانية، تُتهم أبوظبي بتقديم دعم عسكري ولوجستي ومالي لقوات الدعم السريع، التي تخوض منذ عام 2023 حربًا ضد الجيش السوداني، فيما تنفي الإمارات تقديم دعم عسكري مباشر لهذه القوات.

وتشير الدراسة إلى وجود شبكات لوجستية عابرة للحدود لنقل الإمدادات إلى قوات الدعم السريع، عبر مناطق في ليبيا وتشاد وإثيوبيا والصومال، إضافة إلى استخدام طرق جوية ومراكز عبور إقليمية.

كما تتحدث الدراسة عن استفادة شبكات مرتبطة بأطراف النزاع من تجارة الذهب والموارد الطبيعية، معتبرة أن المصالح الاقتصادية المرتبطة بمناطق الصراع تمثل أحد العوامل التي تجعل الحرب أكثر تعقيدًا.

وتأتي هذه الاتهامات في ظل كارثة إنسانية واسعة في السودان، حيث أدت الحرب إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا ونزوح ملايين الأشخاص، بينما يستمر القتال بين الجيش وقوات الدعم السريع.

وفي تقريرها السنوي، أشارت منظمة العفو الدولية إلى اتهامات للسودان للإمارات بتقديم دعم مالي وعسكري وسياسي لقوات الدعم السريع، كما قالت إن تحقيقًا لها خلص إلى وجود أسلحة مرتبطة بالإمارات في سياق النزاع، مع الإشارة إلى أن محكمة العدل الدولية رفضت نظر القضية التي رفعتها الخرطوم ضد أبوظبي بسبب عدم الاختصاص.

من السودان إلى ليبيا والصومال

ولا يقتصر الجدل على السودان.

فالدراسة الألمانية ترصد دعمًا إماراتيًا طويل الأمد لقوات خليفة حفتر في ليبيا، إلى جانب علاقات مع قوى محلية في الصومال، وتدخلات مختلفة في إثيوبيا.

وبحسب الدراسة، اتبعت الإمارات في عدد من هذه الملفات سياسة تقوم على بناء شراكات مع قوى محلية مسلحة أو شبه حكومية، بما يسمح لها بتوسيع نفوذها دون نشر أعداد كبيرة من قواتها النظامية.

وتشير الدراسة كذلك إلى أن أبوظبي استخدمت أدوات متعددة، بينها التمويل والتسليح والطائرات المسيّرة والشبكات اللوجستية، إضافة إلى علاقات اقتصادية وموانئ ومشروعات بنية تحتية في عدد من الدول الأفريقية.

وهنا تتداخل السياسة الأمنية مع المصالح الاقتصادية.

فالإمارات طورت خلال السنوات الأخيرة حضورًا واسعًا في قطاعات الموانئ والخدمات اللوجستية والتجارة في أفريقيا، وهو ما يمنحها أهمية استراتيجية في طرق نقل الموارد والطاقة والسلع بين أفريقيا وآسيا وأوروبا.

لكن الباحثين الألمان يحذرون من أن المصالح الاقتصادية وحدها لا تفسر كامل السياسة الإماراتية، مشيرين إلى أن توسيع النفوذ الإقليمي ومواجهة منافسين إقليميين يمثلان عوامل إضافية في حسابات أبوظبي.

شبكة نفوذ تتجاوز الحدود

أحد أبرز ما تكشفه الدراسة الألمانية هو أن التدخلات الإماراتية في أفريقيا لا ينبغي النظر إليها باعتبارها ملفات منفصلة.

ففي الحالة السودانية، تتحدث الدراسة عن شبكة تمتد من مناطق في ليبيا إلى تشاد وإثيوبيا والصومال، وتتكيف مساراتها وفق التطورات العسكرية ومواقف الحكومات المحلية.

ويرى الباحثون أن هذا النوع من الشبكات يمكن أن يؤدي إلى ربط أزمات مختلفة ببعضها، بحيث يصبح النزاع في دولة ما مؤثرًا بصورة مباشرة أو غير مباشرة في استقرار دول مجاورة.

وهذه النقطة تكتسب أهمية خاصة في منطقة الساحل والقرن الأفريقي، حيث تتداخل الحدود الواسعة مع النزاعات المسلحة وشبكات التهريب وتجارة الذهب والهجرة غير النظامية.

اليمن وليبيا.. النفوذ عبر القوى المحلية

في اليمن، ارتبط الدور الإماراتي خلال سنوات الحرب بدعم المجلس الانتقالي الجنوبي وقوى أمنية وعسكرية محلية في الجنوب، في سياق صراع متعدد الأطراف.

أما في ليبيا، فكان دعم أبوظبي لقوات حفتر أحد الملفات التي أثارت انتقادات دولية واسعة، خصوصًا خلال الهجوم على طرابلس عامي 2019 و2020.

وتشير الدراسة الألمانية إلى أن التدخلات الخارجية، بما فيها التدخل الإماراتي، ساهمت في تغيير ميزان القوى داخل ليبيا وإطالة أمد الصراع، كما أسهمت في ترسيخ وجود قوى عسكرية أجنبية في البلاد.

الجزائر والإمارات.. الخلاف ينتقل إلى القطيعة

وفي شمال أفريقيا، وصلت الخلافات الجزائرية الإماراتية إلى مستوى غير مسبوق في سبتمبر 2026.

ففي العاشر من سبتمبر، أعلنت الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات، وقالت وزارة الخارجية إن القرار جاء بعد استنفاد جميع السبل للحفاظ على العلاقات الثنائية، متحدثة عن تصرفات اعتبرتها استفزازية أو عدائية.

كما أغلقت الجزائر مجالها الجوي أمام الطائرات المدنية والعسكرية المسجلة في الإمارات، ومنحت السفير الإماراتي مهلة قدرها 48 ساعة لمغادرة البلاد.

وردت أبوظبي بالتعبير عن أملها في أن يكون القرار مؤقتًا، مؤكدة حرصها على العلاقات بين الشعبين والمصالح المشتركة.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن الخلاف لم ينشأ من ملف واحد، بل تراكم بفعل اختلافات عميقة في الرؤى بشأن عدد من القضايا الإقليمية، بينها التطبيع مع إسرائيل، والصحراء الغربية، وليبيا، والساحل، والسودان.

كما اتهمت الجزائر الإمارات بالتدخل في شؤونها الداخلية، وهي اتهامات نفتها أبوظبي.

الصحراء الغربية والساحل في قلب التباين

يمثل ملف الصحراء الغربية أحد أبرز نقاط الاختلاف بين البلدين.

فالجزائر تتمسك بموقفها الداعم لجبهة البوليساريو، بينما تدعم الإمارات الموقف المغربي بشأن الصحراء الغربية، وهو ما انعكس على العلاقات السياسية بين الجزائر وأبوظبي.

وتشير مصادر إعلامية إلى أن الإمارات افتتحت قنصلية في الصحراء الغربية، في خطوة تعكس موقفها السياسي من النزاع. كما تتهم الجزائر أبوظبي بدعم أطراف إقليمية تراها الجزائر مصدر تهديد لأمنها القومي.

وبالتوازي، تبرز الخلافات حول ليبيا والسودان ومالي والساحل.

ووفق ما نقلته مصادر إعلامية عن خبراء، فإن الجزائر ترى أن تدخلات إماراتية في محيطها الجغرافي تتعارض مع تصورها للأمن الإقليمي، بينما تتحرك أبوظبي وفق حسابات مختلفة ترتبط بالنفوذ والاستثمار والتحالفات الإقليمية.

التطبيع مع إسرائيل.. نقطة خلاف إضافية

كان انضمام الإمارات إلى الاتفاقيات الإبراهيمية عام 2020 محطة أساسية في إعادة تشكيل تحالفاتها الإقليمية.

وبالنسبة للجزائر، التي تعلن رفضها للتطبيع مع إسرائيل وتتمسك بموقف داعم للقضية الفلسطينية، شكل المسار الإماراتي نقطة اختلاف واضحة في الرؤية السياسية.

ويضاف إلى ذلك التباين في التعامل مع قضايا المقاومة الفلسطينية والحرب على غزة، فضلًا عن اختلاف المقاربات بشأن مستقبل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

بين النفوذ الاقتصادي والأدوار الأمنية

تقدم الدراسة الألمانية قراءة تقوم على أن السياسة الإماراتية في أفريقيا لا يمكن تفسيرها من خلال العامل العسكري وحده.

فأبوظبي تستخدم في الوقت نفسه الاستثمارات والموانئ والمساعدات والعلاقات التجارية والشراكات السياسية والأمنية.

وتدير شركات إماراتية كبرى مشروعات وموانئ في دول أفريقية متعددة، وهو ما يمنح الإمارات حضورًا اقتصاديًا يتجاوز حجمها الجغرافي والديموغرافي.

لكن عندما يتداخل النفوذ الاقتصادي مع الصراعات المسلحة، تصبح الحدود بين الاستثمار والسياسة والأمن أكثر تعقيدًا.

وهنا تحديدًا تبرز الانتقادات الدولية للدور الإماراتي، إذ يرى باحثو المعهد الألماني أن الدعم الخارجي للأطراف المسلحة قد يمنح هذه الأطراف قدرة أكبر على مواصلة القتال بدل البحث عن تسويات سياسية.

الإمارات ترفض اتهامات التدخل

في المقابل، لا بد من الإشارة إلى أن أبوظبي تنفي الاتهامات المتعلقة بتقديم دعم عسكري مباشر لأطراف النزاعات، خصوصًا قوات الدعم السريع في السودان.

كما تقول الإمارات إنها تدعم الحلول الدبلوماسية والمساعدات الإنسانية، وتدعو إلى وقف الحرب في السودان.

وهذا التباين بين الموقف الرسمي الإماراتي وبين ما تخلص إليه بعض الدراسات والتقارير الدولية يمثل أحد أكثر جوانب الملف تعقيدًا، خصوصًا في ظل صعوبة التحقق من شبكات الإمداد العسكرية في مناطق الحرب.

مرحلة جديدة بعد القطيعة الجزائرية

تأتي القطيعة الجزائرية الإماراتية في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتداخل فيها حرب السودان مع أزمات ليبيا والساحل والصحراء الغربية والتوترات في الشرق الأوسط.

وبذلك لم تعد الخلافات بين الجزائر وأبوظبي مجرد تباين دبلوماسي محدود، بل أصبحت مرتبطة برؤيتين مختلفتين لترتيبات الأمن والنفوذ في شمال أفريقيا ومحيطها.

وفي الوقت نفسه، فإن الاتهامات الموجهة إلى الإمارات بشأن النزاعات الأفريقية لا تعني أن الصراعات نفسها نتاج طرف خارجي واحد؛ فالحروب في السودان وليبيا والصومال وإثيوبيا لها أسباب داخلية وتاريخية وسياسية معقدة، وتتدخل فيها أطراف إقليمية ودولية متعددة.

لكن ما تكشفه الدراسات الحديثة هو أن الدعم الخارجي بالسلاح والمال والشبكات اللوجستية يمكن أن يؤثر في ميزان القوى ويصعّب الوصول إلى تسويات سياسية.

ومن هنا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه في المرحلة المقبلة لا يتعلق فقط بحجم النفوذ الإماراتي، وإنما بمدى قدرة الدول الإقليمية والدولية على وضع قواعد أكثر وضوحًا تمنع تحويل النزاعات المحلية إلى ساحات تنافس إقليمي مفتوح.

المصادر

  • المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، دراسة الدور المزعزع للاستقرار للإمارات العربية المتحدة في النزاعات الأفريقية، مايو 2026.
  • وكالة رويترز، تقرير حول قطع الجزائر العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات، 10 سبتمبر 2026.
  • وكالة الأنباء الإماراتية، الموقف الرسمي لأبوظبي من قرار الجزائر، 10 سبتمبر 2026.
  • منظمة العفو الدولية، التقرير السنوي حول أوضاع حقوق الإنسان ونقل الأسلحة إلى السودان.
  • دويتشه فيله، ملف الخلافات الجزائرية الإماراتية وتباين الأجندات الإقليمية.

المحرر شريبط علي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى