
اوراس tv برحيل بوعلام بوعلام، أمس الاثنين 5 أكتوبر 2026، تفقد الجزائر واحدا من المسؤولين الذين أمضوا عقودا داخل مؤسسات الدولة، متنقلا بين القضاء والبرلمان والإدارة العليا، قبل أن ينتهي به المسار في موقع مدير ديوان رئاسة الجمهورية.
وأعلنت رئاسة الجمهورية وفاة بوعلام بوعلام في مستشفى بمدينة جنيف السويسرية، إثر مرض عضال، عن مسار رجل قانون ظل بعيدا نسبيا عن الأضواء، رغم حساسية المسؤوليات التي أوكلت إليه خلال السنوات الأخيرة.
وتكشف قراءة مسيرته المهنية أن حضوره في مؤسسة الرئاسة لم يكن وليد السنوات الأخيرة، وإنما جاء نتيجة تراكم طويل من الخبرة القضائية والقانونية والمؤسساتية.
البداية من القضاء
بدأ بوعلام بوعلام مساره في سلك القضاء، قبل أن يصل إلى المحكمة العليا، حيث عمل مستشارا في الغرفة الاجتماعية، وشارك في نشاطات علمية وقانونية تناولت قضايا مرتبطة بالاجتهاد القضائي وتطبيق قانون العمل.
وتوثق منشورات المحكمة العليا اسم بوعلام بوعلام مستشارا بالغرفة الاجتماعية، كما يظهر اسمه ضمن المشاركين في أعمال علمية وقانونية للمحكمة العليا.
هذه المرحلة كانت حاسمة في تكوين شخصيته المهنية، إذ جعلته قريبا من الملفات القانونية المعقدة ومن آليات صناعة الاجتهاد القضائي، قبل أن ينتقل لاحقا إلى مواقع سياسية وإدارية أكثر ارتباطا بمؤسسات الدولة العليا.
محطة مجلس الأمة
لم يظل مساره محصورا داخل السلطة القضائية، إذ انتقل إلى العمل المؤسساتي من بوابة مجلس الأمة، حيث ارتبط اسمه بعضوية الغرفة العليا للبرلمان خلال مرحلة امتدت من 2007 إلى 2012.
وكانت هذه التجربة إضافة أخرى إلى مساره، لأنها نقلته من فضاء القضاء وتطبيق النصوص إلى فضاء التشريع والعمل المؤسساتي، وهو ما سيتضح أثره لاحقا في انتقاله إلى المسؤوليات القانونية داخل رئاسة الجمهورية.
من القانون إلى ملفات الجرائم الإلكترونية
في سبتمبر 2016، وصل بوعلام بوعلام إلى واحدة من أكثر المسؤوليات ارتباطا بالملفات الأمنية والقضائية ذات الطابع التقني، بعد تعيينه مديرا عاما للهيئة الوطنية للوقاية من الجرائم المتصلة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال ومكافحتها.
وتتولى هذه الهيئة مهاما مرتبطة بالوقاية من الجرائم المتصلة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال ومكافحتها، والبحث والتحري والكشف عنها، إضافة إلى جمع وتسجيل المعطيات وتقديم المعلومات للجهات القضائية والضبطية القضائية والمساهمة في تكوين المحققين.
ومن هنا بدأ مسار بوعلام بوعلام يقترب أكثر من الملفات التي تقع عند تقاطع القانون والأمن والتحقيقات والتكنولوجيا، وهي خبرة ستصبح لاحقا جزءا من طبيعة المهام التي اضطلع بها داخل الرئاسة.
مستشارا لدى الرئيس تبون
بعد وصول عبد المجيد تبون إلى رئاسة الجمهورية، انتقل بوعلام بوعلام إلى مؤسسة الرئاسة في موقع مستشار مكلف بالشؤون القانونية والقضائية.
وتظهر وثائق رسمية ومصادر مؤسساتية أن حضوره في هذا الموقع ارتبط بملفات قانونية ودستورية، إذ شارك في نقاشات مرتبطة بمشروع مراجعة الدستور، كما ظهر في نشاطات تخص المحكمة الدستورية والقضاء.
وفي أكتوبر 2023، اتسعت دائرة اختصاصاته، إذ نصبت رئاسة الجمهورية بوعلام بوعلام مستشارا لدى رئيس الجمهورية مكلفا بالشؤون القانونية والشؤون القضائية والعلاقات مع المؤسسات والتحقيقات والتأهيلات.
وهنا دخل الرجل مرحلة جديدة، فلم يعد دوره مرتبطا بالاستشارة القانونية وحدها، بل أصبح يمتد إلى العلاقات المؤسساتية والتحقيقات والتأهيلات، وهي مجالات تضع صاحبها على تماس مباشر مع ملفات الدولة ومختلف مؤسساتها.
من مستشار إلى مدير ديوان الرئاسة
في 11 نوفمبر 2023، وبعد تعيين نذير العرباوي وزيرا أول، كلف الرئيس تبون بوعلام بوعلام بتسيير ديوان رئاسة الجمهورية بالنيابة.
وبعد أقل من شهرين، صدر المرسوم الرئاسي المؤرخ في 2 يناير 2024، الذي عيّنه مديرا لديوان رئاسة الجمهورية بصفة رسمية، وألغى بذلك أحكام التكليف المؤقت الذي صدر في نوفمبر 2023.
وبذلك انتقل بوعلام بوعلام من موقع المستشار المتخصص في القانون والمؤسسات إلى موقع إداري وسياسي أكثر اتساعا داخل مؤسسة الرئاسة.
لماذا يعتبر منصب مدير الديوان حساسا؟
تنبع أهمية منصب مدير ديوان رئاسة الجمهورية من موقعه داخل الهيكل التنظيمي للرئاسة، وليس فقط من كونه منصبا إداريا.
فالمرسوم الرئاسي رقم 23-331 المؤرخ في 26 سبتمبر 2023 أعاد تنظيم مصالح رئاسة الجمهورية وحدد اختصاصات مدير الديوان والأمين العام والمستشارين والهياكل التابعة للرئاسة.
وبموجب هذا التنظيم، أصبح عمل الرئاسة موزعا بين هياكل متعددة، بحيث يتولى مدير الديوان جملة من المهام المرتبطة بالعمل الرئاسي والتنسيق ومتابعة ملفات تدخل ضمن اختصاصاته، بينما تتكفل الأمانة العامة بجوانب أخرى من التسيير الإداري والتنظيمي لمصالح الرئاسة.
وهذا يعني أن القراءة الدقيقة لمنصب مدير الديوان لا تقوم على فكرة امتلاكه وحده كل مفاصل مؤسسة الرئاسة، وإنما على موقعه في شبكة تنظيمية تتوزع فيها الاختصاصات بين الديوان والأمانة العامة والمستشارين والمصالح المتخصصة.
تحول بنيوي في مؤسسة الرئاسة
ويكتسي هذا الجانب أهمية خاصة عند مقارنة الوضع التنظيمي للرئاسة في مراحل مختلفة.
فصلاحيات مدير الديوان لم تكن ثابتة عبر السنوات، بل خضعت لإعادة ترتيب بموجب مراسيم رئاسية متعاقبة. وهذا ما يجعل الحديث عن المنصب باعتباره مركزا يتحكم في جميع أجهزة الرئاسة أمرا يحتاج إلى تحديد زمني وقانوني دقيق.
ومن أبرز التحولات أن مصالح الأمن والحماية الرئاسية أصبحت ضمن الهيكل التنظيمي للأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، وفقا للتنظيم الجديد، بينما جرى توزيع مصالح أخرى بين مدير الديوان وبقية هياكل الرئاسة.
وبذلك فإن الصلاحية الفعلية لمدير الديوان ترتبط بالنص التنظيمي الساري في كل مرحلة، وليس بصورة ثابتة للمنصب منذ إنشاء مؤسسة الرئاسة.
رجل قانون في قلب ملفات الدولة
المسار المهني لبوعلام بوعلام يكشف انتقالا لافتا بين ثلاثة فضاءات مترابطة: القضاء، والعمل المؤسساتي، ثم مركز القرار الرئاسي.
فمن قاعات المحاكم، انتقل إلى المحكمة العليا، ومنها إلى مجلس الأمة، ثم إلى هيئة متخصصة في الجرائم المرتبطة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال، قبل أن يصبح مستشارا لرئيس الجمهورية، ثم مديرا لديوان الرئاسة.
وهذا التسلسل يفسر إلى حد كبير لماذا ارتبط اسمه خلال السنوات الأخيرة بالملفات القانونية والقضائية والمؤسساتية، من دون أن يكون شخصية سياسية جماهيرية بالمعنى التقليدي.
كان حضوره يقوم أساسا على العمل داخل المؤسسات، لا على الظهور الإعلامي، ولذلك بقي اسمه معروفا بدرجة أكبر في الأوساط القانونية والإدارية والسياسية منه لدى الرأي العام.
آخر ظهور رسمي قبل الرحيل
ظل بوعلام بوعلام في منصب مدير ديوان رئاسة الجمهورية خلال 2026، وظهر في مناسبات رسمية إلى جانب رئيس الجمهورية، من بينها لقاءات واستقبالات رئاسية.
كما كان حاضرا خلال جلسة البرلمان بغرفتيه في مارس 2026، أثناء المصادقة على مشروع قانون متعلق بالتعديل الدستوري، بصفته مدير ديوان رئاسة الجمهورية.
وبذلك بقي في موقعه إلى غاية وفاته، قبل أن تنتهي مسيرة رجل قانون قضى سنوات طويلة داخل دواليب الدولة.
مسيرة بدأت بالقضاء وانتهت في قمة الهرم الإداري للرئاسة
تكمن دلالة مسيرة بوعلام بوعلام في طول الطريق الذي قطعه داخل مؤسسات الدولة.
فهو لم ينتقل مباشرة إلى الرئاسة، وإنما مر عبر تجربة قضائية طويلة، ثم تجربة برلمانية، ثم إدارة هيئة ذات طبيعة حساسة، قبل أن يستقر في مؤسسة الرئاسة مستشارا، ومنها إلى منصب مدير الديوان.
وعلى امتداد هذا المسار، كان القانون هو الخيط الناظم لمسيرته، من تطبيق النصوص أمام القضاء إلى المشاركة في الملفات الدستورية والقانونية، ثم متابعة ملفات المؤسسات والتحقيقات والتأهيلات.
وفي 5 أكتوبر 2026، انتهت هذه المسيرة بوفاته في جنيف بعد مرض عضال، لتطوي الدولة صفحة أحد رجال القانون الذين أمضوا جانبا كبيرا من حياتهم المهنية داخل مؤسساتها العليا.
رحم الله الفقيد بوعلام بوعلام، وأسكنه فسيح جناته، وألهم عائلته وذويه جميل الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
المصادر
وكالة الأنباء الجزائرية، بيان وفاة بوعلام بوعلام ونقل تفاصيل وفاته.
وكالة الأنباء الجزائرية، تأبين الراحل والإشادة بمساره داخل مؤسسات الدولة.
الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية، المرسوم الرئاسي المؤرخ في 2 يناير 2024 المتضمن تعيين بوعلام بوعلام مديرا لديوان رئاسة الجمهورية.
الجريدة الرسمية ومصادر مؤسساتية حول المرسوم الرئاسي رقم 23-331 المؤرخ في 26 سبتمبر 2023 المتضمن إعادة تنظيم مصالح رئاسة الجمهورية.
المحكمة العليا، وثائق توثق عمل بوعلام بوعلام مستشارا بالغرفة الاجتماعية ومشاركاته العلمية والقانونية.
رئاسة الجمهورية ومصادر إعلامية وطنية، تعيينه مستشارا مكلفا بالشؤون القانونية والقضائية والعلاقات مع المؤسسات والتحقيقات والتأهيلات في أكتوبر 2023.
المحرر شريبط علي



