دولي

فرنسا تحت صدمة أعمال الشغب.. حظر تجول واعتقالات بالآلاف واحتجاجات تمتد إلى أوروبا

أوراسtv | تحليل

تواجه فرنسا واحدة من أخطر موجات الاضطرابات الاجتماعية في السنوات الأخيرة، بعدما تحولت احتجاجات بدأت بمطالب تتعلق بالتعليم وارتفاع تكاليف المعيشة إلى مواجهات عنيفة شملت عدة مدن، وأوقعت قتلى ومصابين، وأدت إلى توقيف أكثر من ألفي شخص خلال عطلة نهاية الأسبوع، وفق ما أوردته شبكة «سي إن إن».

وأمام اتساع أعمال العنف والتخريب، لجأت السلطات الفرنسية إلى فرض حظر تجول جزئي في عدد من المدن، بينها أجزاء من باريس وليون ونيس، بالتزامن مع منع التجمعات والتظاهرات في مرسيليا، في محاولة لاحتواء الوضع وحماية السكان والممتلكات والمحال التجارية.

ولا تقتصر خطورة المشهد على حجم الخسائر البشرية والمادية، بل تمتد إلى تداعياته السياسية، في وقت تتزايد فيه الانتقادات للحكومة بسبب تأخرها في احتواء الغضب الاجتماعي، قبل أشهر من الاستحقاق الرئاسي المرتقب في فرنسا.

حظر تجول في عدة مدن واعتقالات بالآلاف

أعلن رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو دعوته السلطات المحلية إلى فرض حظر تجول جزئي في المناطق التي تشهد اضطرابات، بهدف الحد من أعمال العنف ومنع استهداف الممتلكات العامة والخاصة.

وفي باريس، تقرر فرض حظر تجول في ساحة الجمهورية ابتداءً من الحادية عشرة ليلًا، وفي محيط منطقة لي آل ابتداءً من العاشرة ليلًا، على أن يستمر الإجراء حتى السادسة صباحًا.

أما في ليون، فحُظرت التجمعات في الطرق العامة خلال الفترة المسائية، قبل دخول قيود إضافية حيز التنفيذ في أجزاء من المدينة. وفي مرسيليا، منعت السلطات جميع التجمعات والمظاهرات خلال فترة محددة من اليوم.

وامتدت الإجراءات إلى مدينة نيس وعدد من البلدات في إقليم الشمال، حيث فُرضت قيود ليلية على حركة القاصرين.

وتأتي هذه التدابير بعدما شهدت البلاد توقيف أكثر من ألفي شخص خلال عطلة نهاية الأسبوع، مع تسجيل قتيلين على الأقل وإصابات خطيرة، بينها حالتا بتر لليدين، وفق التقرير المنشور.

وخلال المواجهات، استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع، بينما أقدم محتجون ملثمون على إحراق ممتلكات واقتحام محال تجارية ومبانٍ حكومية، في مشاهد عكست حجم التوتر الذي بلغته الأزمة.

من احتجاجات المدارس إلى انتفاضة اجتماعية

بدأت شرارة الاحتجاجات في سبتمبر الماضي، عندما نظم طلاب ومعلمون في إحدى المدارس الثانوية بضواحي باريس إضرابًا للمطالبة بتوفير مزيد من الموظفين والموارد لتحسين ظروف التعليم.

ورغم الاستجابة للمطالب الأولية وإنهاء الإضراب، فإن التحرك فتح الباب أمام موجة احتجاجات أوسع، غذّتها مشكلات الاكتظاظ ونقص الطواقم التعليمية، إلى جانب الغضب من طريقة تعامل الشرطة مع المتظاهرين.

وزادت حدة الاحتقان بعد انتشار مقاطع مصورة توثق استخدام أحد عناصر الشرطة أسلوبًا محظورًا في إخضاع فتاة، ما أثار انتقادات واسعة وأسهم في توسيع رقعة الاحتجاجات.

ومع مرور الأسابيع، تجاوزت التحركات مطالب الطلاب لتتحول إلى تعبير أوسع عن الاستياء من ارتفاع تكاليف المعيشة والبطالة والتفاوت الاجتماعي، فضلًا عن اتهامات للحكومة بالتقاعس عن معالجة المشكلات اليومية للمواطنين.

وشهدت شوارع فرنسا، السبت، خروج أكثر من نصف مليون متظاهر، وفق الأرقام التي أوردتها شبكة «سي إن إن». وبينما ظلت غالبية الاحتجاجات سلمية، تحولت تجمعات في عدد من المدن إلى مواجهات وأعمال تخريب مع حلول الليل.

وفي باريس، تعرضت محال تجارية للنهب وأُضرمت النيران في مواقع مختلفة، بينما شهدت ليون إحراق مكتب السياحة، وسقط برج مبنى بلدية تاريخي يعود إلى 143 عامًا في مدينة ليموج بعدما التهمته النيران.

كما طالت أعمال التخريب مئات المحال التجارية في منطقة إيل دو فرانس المحيطة بالعاصمة، وسط حالة من الصدمة والغضب بين السكان.

ماكرون يتوعد المتورطين ويحاول احتواء الأزمة

في مواجهة التصعيد، تعهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بمحاسبة المسؤولين عن أعمال التخريب والنهب، مؤكدًا أن كل من تورط في تدمير الممتلكات أو محاولة تقويض مؤسسات الجمهورية سيخضع للمساءلة.

كما أعلن عزمه عقد اجتماعات خلال الأسبوع لبحث مقترحات عملية والاستماع إلى مطالب المحتجين، في محاولة لاحتواء الأزمة وإعادة الهدوء إلى الشوارع.

غير أن هذه الوعود تواجه اختبارًا صعبًا، إذ يرى منتقدون أن الأزمة لا يمكن معالجتها بالإجراءات الأمنية وحدها، في ظل تراكم المشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي دفعت أعدادًا كبيرة من المواطنين إلى النزول إلى الشوارع.

وفي مؤشر على حجم الارتباك داخل المؤسسات، أقر وزير الداخلية لوران نونيز بأن السلطات لم تتوقع بلوغ أعمال الشغب هذا المستوى، وعرض الاستقالة، لكن ماكرون رفض قبولها.

كما تحدث الرئيس الفرنسي عن مبادرات دولية لمعالجة ارتفاع أسعار الوقود وضمان استقرار الإمدادات من دول الخليج، دون تقديم تفاصيل واضحة بشأن الإجراءات المرتقبة.

الاحتجاجات تتجاوز فرنسا وتصل إلى مدن أوروبية

لم تبقَ الاضطرابات محصورة داخل الأراضي الفرنسية، إذ شهدت عدة مدن أوروبية تحركات احتجاجية مرتبطة بمطالب اجتماعية ومعيشية، وسط مخاوف من انتقال موجة الغضب إلى دول أخرى تعاني ضغوطًا اقتصادية وتوترات سياسية.

وفي بلجيكا، تظاهر طلاب احتجاجًا على أوضاع النظام التعليمي، بينما خرج عشرات الآلاف في العاصمة البرتغالية لشبونة للمطالبة بمعالجة ارتفاع تكاليف المعيشة وأزمة السكن.

أما في مدينة ميلانو الإيطالية، فقد شهدت عطلة نهاية الأسبوع ليلتين متتاليتين من الاضطرابات، تخللتهما أعمال نهب ورشق بالحجارة، وردت الشرطة باستخدام الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه، وأوقفت 32 شخصًا.

وأعلن نائب رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو سالفيني إرسال 500 عنصر عسكري إلى ميلانو، في حين أكد وزير الخارجية أن الحكومة ستتعامل بحزم مع أعمال العنف.

وفي ألبانيا، تواصلت الاحتجاجات الطلابية منذ أشهر على خلفية اتهامات بالفساد الحكومي، وشهدت العاصمة تيرانا مواجهات عنيفة خلال عطلة نهاية الأسبوع.

من جهته، حذر الأمين العام لمجلس أوروبا آلان بيرسيه من استغلال الغضب الشعبي لأغراض سياسية، مشددًا على ضرورة الاستجابة للمطالب المشروعة للمتظاهرين السلميين، ومنع العنف من تقويض حق الاحتجاج.

ودخلت التطورات الفرنسية أيضًا على خط السجال السياسي الأمريكي، بعدما حمّل نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس سياسات الهجرة مسؤولية الاضطرابات، بينما تناول دونالد ترامب الاحتجاجات خلال تجمع انتخابي في ولاية جورجيا.

تحليل أوراسtv.. أزمة اجتماعية أم بداية تحول سياسي؟

تكشف الأحداث الجارية في فرنسا عن أزمة تتجاوز المواجهة التقليدية بين الشرطة والمتظاهرين، إذ تتقاطع فيها مطالب التعليم والقدرة الشرائية مع أزمة الثقة في المؤسسات، وتزايد الشعور لدى قطاعات من المجتمع بأن السياسات الحكومية لا تستجيب بما يكفي لضغوط الحياة اليومية.

أولًا، تراكم الغضب الاجتماعي: انطلقت الاحتجاجات من مطالب محددة داخل المدارس، لكنها سرعان ما اتسعت لتشمل ارتفاع تكاليف المعيشة والبطالة وأزمة السكن والتفاوت الاجتماعي. ويشير هذا التحول إلى أن الأزمة التعليمية كانت شرارة لتحركات أعمق، لا سببها الوحيد.

ثانيًا، التعامل الأمني ومشكلة الثقة: أسهمت مقاطع التعامل العنيف مع المحتجين في زيادة الاحتقان، بحسب التقرير. وفي مثل هذه الظروف، قد تؤدي الإجراءات الأمنية المشددة إلى احتواء بعض أعمال الشغب مؤقتًا، لكنها قد تزيد الغضب إذا لم تقترن بمحاسبة واضحة ومعالجة أسباب الاحتجاج.

ثالثًا، معضلة الحكومة: تجد السلطة الفرنسية نفسها أمام مسارين متوازيين؛ أولهما استعادة الأمن وحماية الممتلكات، وثانيهما تقديم استجابات ملموسة للمطالب الاجتماعية. وقد لا تكون القيود الليلية كافية وحدها لوقف الاضطرابات ما لم تترافق مع إجراءات مقنعة في التعليم والمعيشة والعمل.

رابعًا، الحسابات الانتخابية: تأتي الأزمة في مرحلة حساسة من المشهد السياسي الفرنسي، مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المرتقبة في عام 2027. ومن شأن استمرار الاحتجاجات أن يعزز موقع القوى المعارضة، خصوصًا التيارات اليمينية المتطرفة واليسارية الراديكالية، وإن كان تأثير الأزمة النهائي على نتائج الانتخابات لا يزال غير محسوم.

خامسًا، البعد الأوروبي: تشابه المطالب التي ترفعها التحركات في فرنسا وبلجيكا والبرتغال وإيطاليا وألبانيا يشير إلى وجود تحديات مشتركة، أبرزها القدرة الشرائية والسكن والتعليم والشعور بالتهميش. ومع ذلك، لا يعني تزامن الاحتجاجات أنها تشكل حركة موحدة أو أن أسبابها متطابقة في جميع البلدان.

الخلاصة

تضع الاضطرابات فرنسا أمام اختبار سياسي واجتماعي صعب، حيث تتراجع قدرة الإجراءات الأمنية وحدها على احتواء أزمة تغذيها مشكلات متراكمة في التعليم والمعيشة والثقة بالمؤسسات.

وبينما تسعى الحكومة إلى إعادة الهدوء واحتواء أعمال التخريب، ستتوقف قدرتها على تجاوز الأزمة على مدى استعدادها لتقديم حلول ملموسة تتناسب مع مطالب المحتجين.

أما أوروبيًا، فإن امتداد التحركات إلى مدن أخرى يسلط الضوء على هشاشة التوازن الاجتماعي في ظل الضغوط الاقتصادية، لكنه لا يكفي وحده للحديث عن موجة ثورية موحدة. وتبقى الأيام المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت فرنسا ستتمكن من احتواء التصعيد، أم أن الاضطرابات ستتحول إلى عامل يعيد تشكيل المشهد السياسي قبل انتخابات 2027.

المصادر

  • شبكة «سي إن إن»، تقرير جيسي يونغ حول فرض حظر التجول في المدن الفرنسية وانتشار الاحتجاجات في أوروبا، 19 أكتوبر 2026.
  • وكالة رويترز: تغطية الاحتجاجات وأعمال الشغب في فرنسا وإيطاليا والبرتغال.
  • تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو ووزير الداخلية لوران نونيز.
  • تصريحات الأمين العام لمجلس أوروبا بشأن الاحتجاجات والاضطرابات في المدن الأوروبية.

المحرر شريبط علي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى