
أوراس tv| تحليل
تتجه العلاقات بين الولايات المتحدة وأوكرانيا نحو مرحلة أكثر توترًا، في ظل تصاعد الخلافات بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن تبادل المعلومات الاستخباراتية، والعقوبات المفروضة على روسيا، والهجمات الأوكرانية على منشآت الطاقة الروسية، وشروط إنهاء الحرب المستمرة منذ فبراير 2022.
ويكشف التصعيد الأخير عن اتساع فجوة الثقة بين واشنطن وكييف، بعدما وجه ترامب انتقادات حادة إلى زيلينسكي، متهمًا إياه بعدم فهم ما يجري، ومشيرًا إلى أن الوقت قد حان لتولي شخص آخر التفاوض نيابة عن أوكرانيا. وتأتي هذه التصريحات في وقت تكثف فيه كييف هجماتها بعيدة المدى على الأراضي الروسية، متحدية المطالب الأمريكية بوقف استهداف مصافي النفط ومنشآت الطاقة.
هجمات على منشآت الطاقة تزيد الخلافات
شهدت مدينة سانت بطرسبرغ الروسية، خلال عطلة نهاية الأسبوع، هجومًا أوكرانيًا واسعًا بالطائرات المسيّرة استهدف محطة نفطية رئيسية، في واحدة من أكبر الهجمات من نوعها هذا العام، وفق ما أوردته شبكة «سي إن إن».
وتستطيع المحطة المستهدفة مناولة ما يصل إلى 12.5 مليون طن من النفط سنويًا، فيما أعلنت شركة «فاير بوينت» الأوكرانية، المصنعة للطائرات المسيّرة المستخدمة في الهجوم، اندلاع حريق داخل المنشأة عقب الضربة.
كما تعرض مركز لوجستي في المدينة لهجوم، وفق شركة التوزيع الروسية «أوزون»، إلى جانب مركز بيانات تابع لمنصة التواصل الاجتماعي الروسية «فكونتاكتي». وأعلنت السلطات المحلية مقتل شخص وإصابة خمسة آخرين، فضلًا عن تضرر عدد من المنازل السكنية.
وتضع هذه العمليات كييف في مواجهة مباشرة مع توجهات البيت الأبيض، الذي يسعى إلى الحد من الضغوط على أسعار النفط والديزل داخل الولايات المتحدة، في ظل ارتفاع أسعار الوقود وحساسية الملف الاقتصادي مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
وكان ترامب قد وصف الهجمات الأوكرانية على مصافي النفط الروسية بأنها «عار»، معتبرًا أن التعامل مع زيلينسكي أكثر صعوبة من التعامل مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
زيلينسكي يرد.. واتهامات لواشنطن بتعزيز موقف موسكو
في المقابل، رفض زيلينسكي الانتقادات الأمريكية، مؤكدًا أن أوكرانيا لم تكن الطرف الذي بدأ الحرب، وأنها رحبت بالمبادرات الرامية إلى إنهائها بصورة تحفظ كرامتها وأمنها.
وفي تصريحات نقلتها وسائل إعلام أمريكية، قال الرئيس الأوكراني إن بلاده تفضل التعامل مع شركاء يتسمون بالوضوح والصراحة، بدلًا ممن وصفهم بالقتلة الذين يبتسمون، في إشارة بدت موجهة إلى موقف ترامب من روسيا.
كما اتهم زيلينسكي الإدارة الأمريكية بتقديم تنازلات لموسكو من خلال تخفيف بعض القيود الاقتصادية، بما في ذلك إعفاءات تسمح باستمرار صادرات الديزل الروسية وتخفف بعض العقوبات الأمريكية المفروضة على روسيا.
ويرى الرئيس الأوكراني أن هذه الخطوات تمنح موسكو موارد إضافية لمواصلة حربها، محذرًا من أن انحياز الولايات المتحدة إلى روسيا سيكون «خطأ تاريخيًا».
وتثير هذه التطورات قلقًا متزايدًا في كييف والعواصم الأوروبية، وسط مخاوف من أن تقدم إدارة ترامب تنازلات إضافية للرئيس الروسي، في محاولة لدفعه نحو اتفاق لإنهاء الحرب، حتى لو جاء ذلك على حساب بعض المطالب الأوكرانية.
اتفاق لوقف استهداف الطاقة لم يصمد
تتفاقم الخلافات في ظل التباين بشأن ما وصفه ترامب باتفاق لوقف الهجمات المتبادلة على منشآت الطاقة الروسية والأوكرانية.
فقد أعلن الرئيس الأمريكي، قبل نحو أسبوع، أن موسكو وكييف وافقتا على وقف استهداف البنية التحتية للطاقة، لكن الطرفين لم يؤكدا التوصل إلى اتفاق رسمي بهذا الشأن.
وبحسب زيلينسكي، أوقفت أوكرانيا هذه الهجمات لفترة وجيزة، بينما واصلت روسيا ضرب منشآت الطاقة والمدن الأوكرانية.
وقال الرئيس الأوكراني إن روسيا نفذت 76 هجومًا استهدف قطاعات الطاقة والنفط والغاز الأوكرانية منذ إعلان ترامب ما وصفه بالهدنة المتعلقة بالطاقة.
كما أعلن مقتل ستة أشخاص، بينهم ثلاثة أطفال، في هجوم روسي بطائرة مسيّرة استهدف منطقة خاركيف، مستخدمًا الحادثة لتجديد مطالبته بتوفير منظومات دفاع جوي وتعزيز الدعم العسكري لبلاده.
ويكشف هذا التباين عن غياب آلية واضحة للتحقق من الالتزامات المعلنة، الأمر الذي يجعل أي تفاهمات مؤقتة عرضة للانهيار مع استمرار العمليات العسكرية وتبادل الاتهامات.
الاستخبارات و«ستارلينك».. جبهة أخرى للخلاف
لم تعد الخلافات بين واشنطن وكييف مقتصرة على المسار السياسي والعقوبات، بل امتدت إلى ملفات الدعم الاستخباراتي والاتصالات العسكرية.
فقد أعرب زيلينسكي عن قلقه من التغييرات التي طرأت على نظام «ستارلينك»، المملوك للملياردير الأمريكي إيلون ماسك، معتبرًا أنها تحد من سرعة الطائرات المسيّرة الأوكرانية المستخدمة في العمليات القريبة من خطوط القتال.
ووصف الرئيس الأوكراني هذه التغييرات بأنها رسالة من الحكومة الأمريكية، غير أن ماسك قال إن الأنظمة المعنية مملوكة للحكومة الأمريكية وتخضع لسيطرتها، بينما نفت إدارة ترامب إصدار أمر بتقييد الخدمة.
وقال ترامب إنه لا يعرف الجهة التي فرضت القيود، لكنه أبدى رغبته في معرفة المسؤول عنها.
وفي ملف آخر، اتهمت كييف شركاءها بعدم تقديم إنذارات مبكرة بشأن هجمات الصواريخ الباليستية الروسية. وقال زيلينسكي إن بلاده لم تتلق تحذيرات مسبقة بشأن هجمات وقعت خلال الليل، مشيرًا إلى تكرار هذه الحالات في الأيام السابقة.
لكن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو نفى وجود تعليق لتبادل المعلومات الاستخباراتية، داعيًا زيلينسكي إلى التركيز على إنهاء الحرب.
وتكتسب هذه الاتهامات أهمية خاصة لأن المعلومات المستمدة من الأقمار الصناعية والإنذارات المبكرة تساعد الجيش الأوكراني على رصد الصواريخ الروسية والاستعداد للهجمات التي تستهدف المدن والمنشآت الحيوية.
واشنطن وموسكو وبكين.. مفاوضات دون أوكرانيا؟
يتزايد القلق الأوكراني أيضًا من احتمال عقد لقاء ثلاثي يجمع الولايات المتحدة وروسيا والصين خلال الشهر المقبل، في إطار مباحثات تتعلق بتسوية النزاعات، من دون مشاركة أوكرانيا.
وقال وزير الخارجية الأمريكي إن الحديث عن اللقاء لا يعني أن ترتيباته حُسمت، فيما أعلن ترامب استعداده للنظر في اجتماع يجمعه ببوتين والرئيس الصيني شي جين بينغ، موضحًا أن محور اللقاء سيكون نزع السلاح النووي، وليس الحرب الروسية الأوكرانية.
ورفضت كييف الفكرة، معتبرة أن إشراك بوتين في اجتماع من هذا النوع من دون حضور أوكرانيا قد يشجعه على مواصلة الحرب بدلًا من دفعه نحو السلام.
أما الكرملين، فأعلن أنه لم يتلق مقترحات أو اتفاقات ملموسة بشأن الاجتماع أو جدول أعماله المحتمل.
ويعكس هذا الجدل مخاوف أوكرانيا من أن تتحول المفاوضات الدولية إلى مسار تتحدد فيه ملامح مستقبلها الأمني والسياسي من دون مشاركتها المباشرة.
وفي محاولة للحفاظ على قنوات التواصل مع واشنطن، أعلن زيلينسكي إجراء محادثات مع المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، صهر ترامب، بشأن الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب، معربًا عن أمله في عقد لقاء معهما في النرويج خلال الأيام المقبلة.
كما ناشد الرئيس الأوكراني أعضاء في الكونغرس الأمريكي من الحزبين الجمهوري والديمقراطي مواصلة دعم بلاده، واصفًا المرحلة الحالية بأنها الأصعب منذ بداية الحرب، ومحذرًا من وجود مؤشرات على توجه سياسي لإبطاء المساعدات المقدمة إلى كييف.
تحليل أوراس.. هل تتخلى واشنطن تدريجيًا عن كييف؟
تتجاوز الأزمة الحالية حدود التوتر الشخصي بين ترامب وزيلينسكي، لتكشف عن خلاف أعمق بشأن طبيعة التسوية التي تريدها واشنطن للحرب الروسية الأوكرانية، والثمن الذي ينبغي أن تدفعه كييف مقابل إنهاء القتال.
أولًا، تضارب الأولويات: يبدو أن إدارة ترامب تركز على الوصول إلى تسوية سريعة تخفف الأعباء الاقتصادية والأمنية، بينما تصر القيادة الأوكرانية على أن أي اتفاق لا يتضمن ضمانات أمنية موثوقة قد يمنح روسيا فرصة لإعادة بناء قدراتها العسكرية واستئناف الهجوم مستقبلًا.
ثانيًا، الضغط الاقتصادي: يضع ارتفاع أسعار الوقود الإدارة الأمريكية أمام معادلة معقدة، إذ تسعى إلى تخفيف الضغوط على المستهلكين، في حين ترى كييف أن تخفيف العقوبات على موسكو قد يوفر موارد إضافية لتمويل العمليات العسكرية الروسية. وهنا تتعارض الحسابات الاقتصادية الأمريكية مع المخاوف الأمنية الأوكرانية.
ثالثًا، الدعم الاستخباراتي والعسكري: تشير الخلافات بشأن الإنذارات الصاروخية والاتصالات عبر الأقمار الصناعية إلى أن طبيعة الدعم الأمريكي أصبحت عنصرًا حاسمًا في قدرة أوكرانيا على مواصلة الحرب. وحتى في غياب قرار معلن بوقف الدعم، فإن أي تغيير في حجمه أو توقيته أو شروط استخدامه قد يؤثر في الحسابات العسكرية لكييف.
رابعًا، خطر التفاوض على حساب أوكرانيا: تخشى القيادة الأوكرانية من أن يؤدي التقارب الأمريكي الروسي إلى صياغة تفاهمات تتعلق بمستقبل الحرب من دون ضمان مشاركتها في القرارات الأساسية. لكن المعطيات المتاحة لا تثبت أن واشنطن اتخذت قرارًا نهائيًا بالتخلي عن كييف، كما أن الحديث عن اجتماع ثلاثي مع الصين لا يزال، وفق التصريحات المنشورة، في مرحلة غير محسومة.
خامسًا، استراتيجية الضغط الأوكرانية: قد تكون الهجمات بعيدة المدى على منشآت الطاقة الروسية وسيلة لإضعاف القدرات الاقتصادية والعسكرية لموسكو ورفع كلفة استمرار الحرب. لكنها تضع كييف في الوقت نفسه أمام خطر زيادة الخلاف مع واشنطن، خصوصًا إذا اعتبرت الإدارة الأمريكية أن هذه العمليات تعرقل جهودها التفاوضية.
الخلاصة
تقف العلاقات الأمريكية الأوكرانية أمام اختبار صعب، مع تراجع الثقة المتبادلة وتزايد الخلافات بشأن شروط السلام، في وقت تستمر فيه الضربات الروسية والأوكرانية على المنشآت الحيوية.
ولا يعني التصعيد السياسي بالضرورة انهيار الشراكة بين البلدين، لكنه يكشف عن تحول في طبيعة العلاقة، من توافق نسبي بشأن دعم أوكرانيا إلى مفاوضات أكثر تعقيدًا حول حدود هذا الدعم وكلفته وشروط إنهاء الحرب.
وستتوقف المرحلة المقبلة على قدرة واشنطن وكييف على تجاوز خلافاتهما، وعلى ما إذا كانت المبادرات الدبلوماسية ستقود إلى تسوية تضمن أمن أوكرانيا، أم إلى اتفاق يوقف القتال مؤقتًا من دون معالجة أسباب الصراع ومخاطر تجدده.
المصادر
- شبكة «سي إن إن»، تقرير تحليلي بشأن تدهور العلاقات الأمريكية الأوكرانية، 19 أكتوبر 2026.
- تصريحات الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن الهجمات الروسية والدعم الأمريكي.
- تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن المفاوضات والهجمات على منشآت الطاقة الروسية.
- تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بشأن تبادل المعلومات الاستخباراتية والمباحثات المحتملة.
- تصريحات السلطات الروسية والأوكرانية بشأن الهجمات على منشآت الطاقة والبنية التحتية.
المحرر شريبط علي



