
تصاعدت حدة الجدل في فرنسا بشأن طريقة تعامل السلطات مع احتجاجات طلاب المدارس الثانوية، بعدما أعلن وزير الداخلية لوران نونيز تعليق استخدام القنابل الصوتية خلال التحركات الطلابية، وذلك إلى حين اتضاح ملابسات حادثة أصيب فيها متظاهر يبلغ من العمر 15 عاماً، وانتهت ببتر يده.
ويأتي القرار في وقت تتواصل فيه الاحتجاجات في عدد من المدن الفرنسية، وسط مطالب بتحسين ظروف الدراسة ووضع حد للمشكلات المتراكمة داخل المؤسسات التعليمية، في حين تواجه أجهزة الأمن انتقادات متزايدة بسبب طريقة تعاملها مع المتظاهرين، خصوصاً القاصرين.
تعليق مؤقت لاستخدام القنابل الصوتية
وقال وزير الداخلية الفرنسي، في تصريح لإذاعة «آر تي إل»، إنه قرر تعليق استخدام القنابل الصوتية خلال تحركات طلاب المدارس الثانوية إلى حين كشف حقيقة ما حدث في قضية الشاب القاصر.
وأوضح نونيز أن القرار يأتي بانتظار اتضاح ظروف الحادثة، في وقت باشرت فيه المفتشية العامة للشرطة التحقيق في 18 قضية مرتبطة بأحداث الاحتجاجات.
ويعكس هذا القرار حجم الضغوط التي تواجهها السلطات الفرنسية، بعدما أصبحت الأساليب الأمنية المستخدمة في تفريق الاحتجاجات محوراً أساسياً في النقاش العام.
إصابة قاصر تشعل الجدل
أثارت إصابة متظاهر يبلغ 15 عاماً، والتي أدت إلى بتر يده، موجة من الانتقادات من جانب طلاب ومنظمات حقوقية وأولياء أمور.
وتتهم جماعات حقوقية السلطات باستخدام القوة المفرطة ضد القاصرين، بينما تؤكد الحكومة أن الاحتجاجات شهدت في بعض المناطق أعمال عنف، وأن جهات من خارج الوسط الطلابي تدخلت في التحركات.
وبين الروايتين، فتحت التحقيقات الرسمية الباب أمام تحديد المسؤوليات والظروف الدقيقة التي أدت إلى إصابة القاصر.
وتبقى نتائج التحقيقات المنتظرة عاملاً أساسياً في تحديد ما إذا كان الحادث مرتبطاً مباشرة باستخدام معدات أمنية خلال تفريق المتظاهرين أم بظروف أخرى وقعت أثناء الاحتجاجات.
أزمة تتجاوز الاحتجاجات الأمنية
ولا تقتصر مطالب الطلاب على الاعتراض على أسلوب تعامل الشرطة معهم، إذ تعود جذور الحركة الاحتجاجية إلى ظروف التعليم في المدارس الثانوية.
ويشتكي الطلاب من تدهور البنية التحتية للمؤسسات التعليمية، ومشكلات الصيانة التي وصلت، وفق شهادات نقلتها وسائل إعلام فرنسية، إلى تسرب المياه وانتشار الفئران، إلى جانب مشكلات أخرى مرتبطة بالاكتظاظ ونقص المدرسين.
وبذلك تحولت الاحتجاجات تدريجياً من تحرك طلابي يركز على ظروف الدراسة إلى أزمة سياسية واجتماعية أوسع، خصوصاً مع دخول المدرسين وأولياء الأمور والنقابات على خط التحركات.
مئات الآلاف في الشوارع
وشهدت فرنسا الثلاثاء تعبئة واسعة، حيث أعلنت وزارة الداخلية مشاركة نحو 256 ألف شخص في الاحتجاجات بمختلف أنحاء البلاد، بينهم طلاب ومدرسون وأولياء أمور ونقابيون، من بينهم نحو 56 ألفاً في باريس.
في المقابل، تحدث منظمو الاحتجاجات عن مشاركة أكبر بكثير، قدرت بنحو 450 ألف شخص على المستوى الوطني، بينهم نحو 100 ألف في العاصمة باريس.
ويعكس التفاوت الكبير بين أرقام السلطات والمنظمين حجم التعبئة، لكنه يكشف أيضاً عن اتساع الحركة الاحتجاجية وتعدد الفئات المشاركة فيها.
215 طالباً أصيبوا منذ بداية التحرك
وبحسب المعطيات التي نشرتها فرانس 24، أصيب 215 طالباً منذ انطلاق الحركة الاحتجاجية في 17 سبتمبر بمنطقة باريس، قبل أن تمتد التحركات إلى مدن فرنسية أخرى.
كما أعلنت وزارة الداخلية توقيف نحو 6100 شخص منذ بداية الاحتجاجات، مشيرة إلى أن الغالبية العظمى منهم قاصرون.
من جهتها، قالت وزارة العدل إن أكثر من 1800 شخص يخضعون لملاحقات قضائية، بينهم 1483 قاصراً.
وتضيف هذه الأرقام بعداً جديداً للأزمة، في ظل مخاوف من اتساع الهوة بين السلطات والمحتجين، خصوصاً إذا استمرت المواجهات في محيط المدارس والمؤسسات التعليمية.
ماكرون أمام أزمة متشابكة
وأمام اتساع الاحتجاجات، عقد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اجتماعاً طارئاً مع رئيس الوزراء سيباستيان ليكورنو وعدد من الوزراء الرئيسيين، بهدف البحث عن مخرج للأزمة.
وتحاول الحكومة من جهة طمأنة الطلاب والتأكيد على الاستعداد لمعالجة مشكلات التعليم، بينما تواجه من جهة أخرى ضغوطاً متزايدة بسبب الانتقادات المتعلقة بالتعامل الأمني مع الاحتجاجات.
ويأتي تعليق القنابل الصوتية ليشكل خطوة احترازية في محاولة لخفض التوتر، لكن أثرها السياسي والميداني سيظل مرتبطاً بنتائج التحقيق في إصابة القاصر وبقدرة الحكومة على الاستجابة للمطالب الأساسية للطلاب.
اختبار صعب للحكومة الفرنسية
تكشف الاحتجاجات الحالية أن الأزمة لم تعد مرتبطة بمطلب واحد، بل أصبحت تجمع بين أوضاع المدارس، ومطالب الطلاب، ودور النقابات وأولياء الأمور، وطريقة تعامل قوات الأمن مع القاصرين.
ومن شأن استمرار التحركات، أو ظهور نتائج جديدة بشأن الإصابات والملاحقات القضائية، أن يحدد اتجاه الأزمة خلال المرحلة المقبلة.
وفي المقابل، فإن تعليق استخدام القنابل الصوتية لا ينهي الجدل، بل يضع السلطات أمام مسؤولية كشف ملابسات الحادثة التي أدت إلى بتر يد القاصر، وتوضيح حدود استخدام القوة خلال الاحتجاجات.
وبينما تتمسك الحكومة بضرورة استعادة الهدوء وضمان استمرار الدراسة، يواصل الطلاب الضغط من أجل تحسين ظروف المؤسسات التعليمية، لتجد فرنسا نفسها أمام أزمة طلابية تتجاوز جدران المدارس وتمس العلاقة بين الشباب والدولة وأجهزة الأمن.
المصادر
- فرانس 24.
- وزارة الداخلية الفرنسية.
- وزارة العدل الفرنسية.
- تصريحات وزير الداخلية لوران نونيز.
المحرر شريبط علي



