وطني

هل ستُفعّل المادة 200 في الانتخابات المحلية؟ المقصلة القانونية التي تؤرق «فرسان المجالس المسدودة»

مع اقتراب موعد الاستحقاق الانتخابي المحلي، يرتفع منسوب السجال السياسي والقانوني في الجزائر إلى أعلى درجاته، وتتجه الأنظار مجدداً نحو “ترسانة الغربلة” التي استحدثها قانون الانتخابات. وإذا كان الرهان في المواعيد السابقة قد انصبّ على تجديد النخب، فإن التساؤل الحارق الذي يؤرق صالونات الأحزاب والقوائم المستقلة اليوم هو: هل ستُفعّل المادة 200 في الانتخابات المحلية المقبلة بالصرامة نفسها؟ وكيف ستعصف برؤساء بلديات ومنتخبين كانوا بالأمس القريب أبطالاً لسيناريوهات الانسداد وتجميد التنمية المحلية في مئات البلديات؟

“الفوبيا” المتجددة.. ما هي المادة 200؟

لم تعد المادة 200، وبخاصة فقرتها السابعة، مجرد نص قانوني عابر، بل تحولت في المخيال السياسي للمترشحين إلى “مقصلة إدارية” لا ترحم. يشترط هذا النص صراحة في الراغب في الترشح: «ألا يكون معروفاً لدى العامة بصلته بأوساط المال والأعمال المشبوهة، وتأثيره، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، على توجه اختيارات الناخبين وشراء ذممهم».

الخطورة الكامنة في هذه المادة – حسب فقهاء القانون – أنها تمنح السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات سلطة تقديرية واسعة بناءً على تقارير استعلاماتية وأمنية، دون الحاجة إلى استصدار أحكام قضائية نهائية بالإدانة. ويكفي هنا “الاشتهار بالشبهة” لإقصاء المترشح، وهو السلاح الذي أطاح سابقاً بمئات الطامحين لدخول قبة البرلمان.

لغة الأرقام الصادمة.. بلديات في عين الإعصار

الانتخابات المحلية هي مرآة الحياة اليومية والمعيشية للمواطن، وهنا يطرح المتتبعون فرضية أن تكون “المحلية المقبلة” هي المسرح الحقيقي والأعنف لتطبيق المادة 200، خاصة عند تشريح واقع التسيير المحلي خلال العهدة المنصرمة، والذي تكشف لغة الأرقام فيه عن أزمة عميقة.

خريطة الانسداد الكلي والجزئي: بحسب بيانات نشرتها جريدة “الشروق” في أفريل 2024، استناداً إلى لجنة حزبية وطنية لمعالجة الانسداد، فقد سُجل وجود 66 مجلساً شعبياً بلدياً في حالة انسداد كلي، توزعت عبر 33 ولاية، يُضاف إليها 15 مجلساً في حالة انسداد جزئي.

شبح “الـ800 بلدية” المتعثرة: لم يتوقف الأمر عند الشلل القانوني التام؛ فالنقاشات التي واكبت مشروع قانون البلدية الجديد تداولت رقماً لافتاً يؤكد أن حوالي 800 بلدية عانت من الانسداد وصعوبات حادة في التسيير أو تعطّل عمل مجالسها بدرجات متفاوتة. هذا المشهد يعني أن ما يقارب نصف بلديات الوطن، خاصة النائية منها، عاشت فترات من التجاذب والتعثر رهنت مصالح المواطنين.

تشريح “الدائرة المفرغة” للانسداد المحلي

يعني انسداد البلدية، ببساطة، عدم توافق أعضاء المجلس مع رئيس البلدية “المير”، مما يفقده الأغلبية اللازمة للمصادقة على المداولات، لتدخل البلدية في نفق مظلم يعطل مصالح المواطنين ويفتح الباب أمام سيناريو متكرر من تبادل التهم:

اتهامات الأعضاء: يتهمون “المير” بالانفراد بسلطة القرار وتهميش باقي الزملاء، لتبدأ لغة “التخلاط والكولسة” في الغرف المظلمة.

رد “المير”: يرى في تحركاتهم محاولة لـ”ليّ الذراع”، والابتزاز، وتصفية الحسابات، وتغليب المصالح الشخصية الضيقة، واصفاً خصومه بـ”العصابة”.

موقف المحيط والمواطن: في الوقت الذي يحاول فيه الوالي، ورئيس الدائرة، والنواب، وأعيان المدينة تقريب وجهات النظر وتغليب المصلحة العامة، يجدها المواطنون فرصة لـ”القيل والقال” ونشر الإشاعات وتشويه السمعة بين الأطراف المتصارعة.

“سيف الحجاج” الإداري وتبعاته الصادمة

حين تفشل كل مساعي الصلح ويُستنفد الوقت الممنوح للتوافق، يتدخل الوالي مجبراً ليُشهر “سيف الحجاج” القانوني، بتفعيل “سلطة الحلول”. وهنا يُجمَّد المجلس، ويُكلَّف رئيس الدائرة بتسيير شؤون البلدية إلى غاية زوال أسباب الانسداد.

المفارقة الكبرى التي يجهلها الكثير من المنتخبين، وحتى المواطنين، أن تفعيل سلطة الحلول لا يعني حل المجلس نهائياً أو انتخاب “مير” جديد (فالمير لا يُستخلف إلا في حالات الوفاة، أو الاستقالة، أو بحكم قضائي)، بل إن النتيجة المباشرة للتجميد هي توقيف رواتب “المير” وكل الأعضاء فوراً. يجمع الجميع أدواتهم ويتجهون إلى منازلهم مجردين من الصفة الرسمية؛ فلا يحق لهم دخول المكاتب ولا ركوب سيارة البلدية، لتتحول صلاحيات التسيير كاملة إلى رئيس الدائرة، بينما يبقى المنتخبون خارج الحلقة إلى غاية تحرير محضر توافق جديد يعيد المياه إلى مجاريها.

كيف ستُترجم هذه الخلفيات في مصفاة المادة 200؟

هذا الواقع الميداني المشحون في البلديات المسدودة والمتعثرة سيكون المادة الدسمة للتقارير الأمنية والإدارية الممهدة للترشيحات القادمة. فالصراعات الخفية حول تمرير صفقات عمومية، أو محاباة مقاولين محليين، أو التعطيل العمدي للمرفق العام بغرض الابتزاز السياسي، لن تُكيِّفها هذه المرة لجان الغربلة كـ”خلافات سياسية”، بل ستُكيِّفها كـ”صلة بأوساط المال والأعمال المشبوهة” أو “تأثير سلبي على نزاهة العمل الانتخابي”. وبناءً عليه، فإن مقصلة المادة 200 تنتظر الكثير من هؤلاء “الفرسان” لمنع عودتهم إلى المجالس المقبلة.

الأكيد أن الانتخابات المحلية القادمة ستشهد غربلة غير مسبوقة؛ فالمادة 200 ستكون بمثابة “الفلتر” الذي يطهر التسيير المحلي من الوجوه التي ارتبطت أسماؤها بالشلل والانسداد والمصالح الضيقة. والرسالة السياسية واضحة: من تسبب في تجميد بلدية بالأمس وترك “دار لقمان على حالها” رغبة في الابتزاز، لن تُفتح له أبواب الترشح غداً؛ فالصندوق لم يعد الفاصل الوحيد، بل إن “صك النزاهة ونظافة اليد” بات يسبق الأصوات.

المصادر

  • قانون الانتخابات الجزائري، المادة 200.
  • جريدة الشروق، أفريل 2024 (ملف الانسداد في المجالس الشعبية البلدية).
  • مشروع قانون البلدية والنقاشات المرتبطة بمعالجة حالات الانسداد.

الأوراس TV

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى