
تدخل المواجهة بين واشنطن وطهران مرحلة جديدة، لا تبدو فيها المعركة محصورة في التصعيد العسكري، بل تنتقل تدريجيًا إلى الضغط الاقتصادي والمفاوضات غير المباشرة وإعادة ترتيب موازين القوة داخل إيران.
وفي أحدث التطورات، رفع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب سقف مطالبه تجاه طهران، معلنًا أن أي مفاوضات مستقبلية يجب أن تتضمن مطالبة إيران بدفع تعويضات عن خسائر وأضرار يقول إن طهران تسببت بها خلال العقود الماضية وخلال الحرب الأخيرة.
وقال ترمب إن الولايات المتحدة ستطالب إيران بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بها، رافضًا في الوقت نفسه أي حديث عن تعويضات أمريكية لطهران عن الأضرار التي خلفتها الحرب، وموجهًا ممثلي إدارته إلى إدراج ملف التعويضات ضمن أي مفاوضات مقبلة.

طهران تعيد ترتيب منظومتها العسكرية
وبالتزامن مع التصعيد السياسي، أجرى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي سلسلة تعيينات جديدة شملت ستة مناصب قيادية في القوات المسلحة والحرس الثوري والباسيج.
وشملت التغييرات تعيين اللواء علي عبداللهي رئيسًا لهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، واللواء أحمد وحيدي قائدًا للحرس الثوري، إلى جانب تعيين مصطفى إيزادي نائبًا له، والعميد علي عظمائي قائدًا لبحرية الحرس الثوري، وحسين طائب رئيسًا لمنظمة الباسيج، فضلًا عن تعيين العميد كيومرث حيدري نائبًا لرئيس هيئة الأركان.
وتأتي هذه التغييرات في وقت تؤكد فيه القيادة الإيرانية أن تطوير القدرات العسكرية مستمر بهدف تعزيز الردع والاستعداد لأي مواجهة محتملة، بالتوازي مع الدعوة إلى تعزيز الوحدة الداخلية ومواجهة الضغوط الخارجية.
هرمز.. العقدة التي تعرقل التسوية
يبقى مضيق هرمز محورًا رئيسيًا في الأزمة، بعدما تحول إلى ورقة ضغط استراتيجية بين إيران والولايات المتحدة.
وتقول طهران إن أمن الملاحة في المضيق مرتبط بسلوك واشنطن وإنهاء ما تصفه بالحصار البحري، بينما تتواصل المفاوضات الإيرانية العُمانية للتوصل إلى ترتيبات مؤقتة لتنظيم حركة السفن.
وكشفت الخارجية الإيرانية عن تقدم في هذه المفاوضات، مشيرة إلى بحث إنشاء مسار ملاحي مؤقت وآمن، مع ترتيبات لمراقبة حركة السفن وتبادل بيانات الإحداثيات بين الجانبين الإيراني والعُماني.
وفي المقابل، تقول طهران إنها لا تجري مفاوضات مباشرة مع واشنطن في الوقت الراهن، وإنما تتبادل الرسائل معها عبر وسطاء، بينما تؤكد أن المفاوضات مع مسقط تسير بصورة بناءة وإيجابية.
واشنطن تغيّر تكتيكها
وفي تحول لافت، تشير المعطيات الواردة في الملف إلى أن إدارة ترمب بدأت تخفف من لهجتها العسكرية المباشرة، مع التركيز بصورة أكبر على الضغط الاقتصادي والحصار البحري.
وبحسب ما نقلته الجزيرة عن مصادر وتقارير إعلامية أمريكية، فإن ترمب بات يتعامل مع الأزمة باعتبارها أشبه بـ”لعبة شطرنج”، مع إعطاء الأولوية للضغط الاقتصادي وتفاقم التضخم داخل إيران بدلًا من شن ضربات عسكرية كبرى. كما طُرحت إمكانية إعلان النصر إذا أعيد فتح مضيق هرمز بالكامل، حتى من دون التوصل فورًا إلى تسوية شاملة بشأن البرنامج النووي الإيراني.
ويأتي ذلك في ظل ضغوط داخلية أمريكية مرتبطة بارتفاع أسعار الوقود والانتخابات المقبلة، إلى جانب مخاوف من الكلفة السياسية والعسكرية لاستمرار حرب مفتوحة.
وفي السياق ذاته، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية تغيير مسار 55 سفينة تجارية وتعطيل سفينتين وتفتيش سفينتين حتى التاسع من أغسطس، ضمن إجراءات الحصار البحري المفروض على إيران.
رسائل إيرانية متناقضة؟
في طهران، تبدو الرسائل السياسية والعسكرية متعددة المسارات.
فالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يؤكد أهمية الحوار والوحدة الداخلية، ويكشف عن اجتماع مطول مع المرشد مجتبى خامنئي استمر سبع ساعات، جرى خلاله بحث العقوبات والصمود والوضع الداخلي. كما أكد أن المرشد شدد على ضرورة الحفاظ على الانسجام ومنع الانقسام الداخلي.
في المقابل، يتمسك الحرس الثوري بخطاب أكثر صرامة بشأن القدرات العسكرية ومضيق هرمز، محذرًا من أن تعطيل المضيق لا يقتصر تأثيره على المنطقة، بل يمكن أن ينعكس على أسواق الطاقة والإنتاج والاقتصاد العالمي.
لكن هذا التباين لا يعني بالضرورة وجود انقسام حقيقي داخل القيادة الإيرانية؛ إذ تشير المعطيات الواردة إلى أن الطرفين يلتقيان في هدف الحفاظ على قدرة طهران على التفاوض من موقع قوة، وإن اختلفت أدوات الخطاب بين المسار الدبلوماسي والمسار العسكري.
بين هرمز والتعويضات.. مفاوضات شاقة
ومع دخول الحرب شهرها السادس، يبدو أن واشنطن وطهران تحاولان إعادة صياغة الصراع بعيدًا عن المواجهة العسكرية المباشرة.
ترمب يريد تحويل الضغوط الاقتصادية والبحرية إلى مكاسب سياسية، فيما تسعى طهران إلى استخدام مضيق هرمز وقدراتها العسكرية كورقة تفاوضية، مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام الوساطات الإقليمية، خصوصًا عبر سلطنة عُمان.
وفي الوقت نفسه، تتزايد الضغوط الاقتصادية على الأطراف المتأثرة بالأزمة؛ فقد تراجع مخزون النفط الاحتياطي الأمريكي إلى أقل من 300 مليون برميل، وهو أدنى مستوى منذ عام 1983، بينما ارتفع سعر الغاز الأوروبي بنسبة 8 بالمئة وسط عدم اليقين بشأن مستقبل المفاوضات حول المضيق.
وبذلك، يبدو أن المرحلة المقبلة لن تكون بالضرورة مرحلة حرب شاملة، لكنها أيضًا لا تحمل مؤشرات واضحة على تسوية نهائية. فكل طرف يحاول تحسين موقعه قبل العودة إلى طاولة التفاوض، بينما يبقى مضيق هرمز الاختبار الأصعب لأي اتفاق محتمل بين واشنطن وطهران.
المصادر
- الجزيرة نت، التغطية المباشرة لتطورات المواجهة الأمريكية الإيرانية، 10 أغسطس/آب 2026.
- تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشأن التعويضات والقدرة على التصعيد.
- بيانات وتصريحات المسؤولين الإيرانيين بشأن مضيق هرمز والمفاوضات مع سلطنة عُمان.
- قرارات المرشد الإيراني بشأن إعادة ترتيب القيادة العسكرية.
- معطيات القيادة المركزية الأمريكية بشأن الحصار البحري وتغيير مسارات السفن.
المحرر شريبط علي



