
أوراس – وكالات
عاد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران إلى الواجهة بعد شهر من الهدوء النسبي، مع تجدد تبادل الضربات بين الطرفين، في مشهد يعكس حالة من الجمود العسكري الخطير، حيث لا تبدو واشنطن راغبة في العودة إلى حرب شاملة، فيما تجد طهران نفسها تحت ضغط اقتصادي وعسكري متزايد قد يدفعها إلى محاولة تغيير قواعد المواجهة.
وبينما تسعى الولايات المتحدة إلى إدارة الوضع القائم في مضيق هرمز والحفاظ على تدفق الملاحة، تبدو إيران أكثر ميلا إلى كسر حالة الجمود، في ظل كلفة اقتصادية وعسكرية متصاعدة.
تبادل محدود للضربات
انتهى الهدوء النسبي هذا الأسبوع بعدما شنت الولايات المتحدة ضربات جديدة على أهداف إيرانية، لترد طهران بهجمات استهدفت الأردن والبحرين والكويت.
لكن، وعلى خلاف جولات التصعيد السابقة، بقيت الضربات محدودة نسبيا، وتركزت بشكل أساسي على أهداف عسكرية، دون أن تتحول إلى هجمات واسعة على منشآت مدنية أو منشآت للطاقة.
ويرى محللون أن هذا النمط يعكس ترددا مشتركا لدى الطرفين في العودة إلى حرب مفتوحة، رغم أن استمرار الضربات يترك هامشا كبيرا لسوء التقدير.
فالجمود الحالي قد يكون أكثر خطورة من الحرب الشاملة، إذ يمكن لأي هجوم واسع أو خطأ في الحسابات أن يعيد المنطقة إلى دائرة المواجهة المفتوحة.
واشنطن تراهن على إدارة الأزمة
حققت الولايات المتحدة تقدما نسبيا في تأمين حركة الملاحة في مضيق هرمز، بعدما رافقت القوات الأمريكية عشرات السفن التجارية التي كانت تحمل ملايين براميل النفط عبر الممر البحري.
لكن هذا النجاح لم ينه الأزمة.
فأسعار النفط لا تزال مرتفعة، فيما يشعر المستهلك الأمريكي بتداعيات الحرب من خلال ارتفاع أسعار الوقود.
وبحسب المعطيات الواردة في التقرير، بلغ متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة أكثر من أربعة دولارات للغالون، مقارنة بمستوى أقل بكثير قبل عام.
كما لجأت الإدارة الأمريكية إلى استخدام احتياطيات النفط الاستراتيجية للتخفيف من تأثير الحرب، ما أدى إلى تراجع المخزون إلى مستويات هي الأدنى منذ عقود.
وهنا تواجه واشنطن معضلة مزدوجة؛ فهي تريد الحفاظ على الضغط العسكري والاقتصادي على إيران، لكنها في الوقت نفسه تسعى إلى تجنب تحول الأزمة إلى عبء اقتصادي وسياسي داخلي.
كلفة الحرب تتصاعد في واشنطن
لم تعد كلفة المواجهة مقتصرة على العمليات العسكرية.
فالحرب تستنزف الذخائر والأنظمة الدفاعية الأمريكية، وسط تقارير تحدثت عن تراجع كبير في مخزونات بعض الصواريخ الاعتراضية المستخدمة في أنظمة الدفاع الجوي.
وفي الوقت نفسه، يزداد الضغط السياسي على إدارة ترمب، مع تراجع التأييد الشعبي لطريقة تعامل الرئيس الأمريكي مع الحرب.
وتشير نتائج استطلاعات الرأي التي تناولها التقرير إلى أن نسبة كبيرة من الأمريكيين لا توافق على إدارة ترمب للمواجهة مع إيران.
كما أن طول أمد الحرب يثير مخاوف داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية من أن يؤدي استمرار العمليات واسعة النطاق إلى التأثير في قدرة واشنطن على التعامل مع تهديدات أخرى حول العالم.
إيران تحت ضغط غير مسبوق
أما في إيران، فتبدو كلفة الحرب أكثر قسوة.
فالاقتصاد، الذي كان يعاني أساسا من العقوبات، يواجه ضغوطا إضافية مع صعوبة تصدير النفط وتراجع القدرة على الوصول إلى الأسواق المالية.
كما أدى ارتفاع الأسعار إلى زيادة معاناة المواطنين، وسط صعوبات في الحصول على بعض المواد الأساسية.
وبحسب المعطيات الواردة في التقرير، بلغ معدل التضخم السنوي في إيران مستويات مرتفعة للغاية، ما عمق الأزمة المعيشية وقلص القدرة الشرائية للأسر.
ولا يقتصر الاستنزاف على الاقتصاد، إذ تواجه طهران أيضا ضغوطا عسكرية مع استمرار استهلاك مخزوناتها من الأسلحة والذخائر.
لماذا قد تختار طهران التصعيد؟
تكمن خطورة المرحلة الحالية في أن استمرار الوضع القائم قد يكون غير قابل للاستمرار بالنسبة لإيران.
فطهران، بحسب محللين، قد ترى أن قبولها بالمعادلة الحالية يعني استمرار الحصار الاقتصادي والضغط العسكري دون تحقيق مكاسب سياسية واضحة.
ومن هنا، قد يصبح التصعيد خيارا مطروحا لكسر الجمود.
ولا يعني ذلك بالضرورة العودة إلى حرب شاملة، بل يمكن أن يتخذ التصعيد أشكالا مختلفة، من زيادة الضغط على الملاحة في مضيق هرمز إلى توسيع نطاق الردود العسكرية.
وترى طهران، وفق هذا المنطق، أن الاستسلام للضغط الأمريكي قد يهدد مكانتها السياسية وقدرتها على فرض شروط في أي تسوية مستقبلية.
هرمز.. قلب المعركة
يبقى مضيق هرمز في صلب الصراع.
فالولايات المتحدة تريد ضمان استمرار الملاحة وتدفق النفط، لأنها تدرك أن أي تعطيل طويل للمضيق ستكون له انعكاسات مباشرة على الاقتصاد العالمي.
أما إيران، فتملك في المضيق إحدى أهم أوراق الضغط الاستراتيجية.
ولهذا، فإن المعركة حول هرمز ليست مجرد مواجهة بحرية، بل صراع على من يفرض قواعد المرحلة المقبلة.
واشنطن تريد تثبيت واقع يسمح بمرور السفن تحت الحماية الأمريكية، بينما تسعى طهران إلى منع تحول هذا الواقع إلى أمر دائم يكرس تفوق الولايات المتحدة في المنطقة.
لا حرب شاملة ولا سلام
المشهد الحالي يكشف عن مفارقة معقدة؛ فلا الولايات المتحدة تريد حربا مفتوحة وطويلة، ولا إيران تبدو مستعدة لتقديم تنازلات تنهي المواجهة.
وهكذا تجد المنطقة نفسها في حالة وسطية: لا سلام حقيقيا ولا حربا شاملة.
لكن هذا الوضع يحمل مخاطر كبيرة، لأن حروب الاستنزاف الطويلة غالبا ما تنتهي عندما يقرر أحد الأطراف تغيير قواعد اللعبة.
وفي حالة مضيق هرمز، قد يكون هذا التغيير هو الأخطر، نظرا إلى أهمية الممر البحري بالنسبة إلى أسواق النفط والتجارة العالمية.
وبين رغبة واشنطن في إدارة الجمود وسعي طهران إلى كسره، يبدو أن المواجهة دخلت مرحلة جديدة، لا يكون فيها السؤال حول من انتصر في الجولة السابقة، بل حول من يستطيع تحمل كلفة الجولة المقبلة.
المصادر
- شبكة سي إن إن، تحليل نادين إبراهيم، 4 سبتمبر 2026.
- تصريحات محللين في مجموعة الأزمات الدولية.
- بيانات رابطة السيارات الأمريكية بشأن أسعار الوقود.
- معطيات واردة في التقرير حول الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأمريكي.
- استطلاع جامعة ماساتشوستس بشأن موقف الأمريكيين من إدارة الحرب.
المحرر شريبط علي



