دولي

احتجاجات طلابية غير مسبوقة تهز فرنسا.. غضب من انهيار التعليم يتحول إلى أزمة سياسية

أوراس tvـ متابعة

تعيش فرنسا واحدة من أكبر موجات الاحتجاج الطلابي منذ عقود، بعدما تحولت مطالب بدأت داخل مؤسسة تعليمية في ضواحي باريس إلى حركة وطنية واسعة وضعت الحكومة أمام أزمة اجتماعية وسياسية متصاعدة.

وبدأت شرارة الاحتجاجات في 21 سبتمبر الماضي، عندما انضم تلاميذ إحدى المدارس الثانوية إلى أساتذتهم للمطالبة بمزيد من الموظفين وتحسين ظروف الدراسة. ورغم استجابة السلطات الأولية وإرسال موظفين إضافيين، فإن الاحتجاج لم يتوقف، بل انتقل بسرعة إلى مؤسسات أخرى قبل أن يمتد إلى مختلف أنحاء البلاد.

من أزمة داخل المدارس إلى حركة وطنية

خلال أيام قليلة، بدأت المدارس الثانوية في باريس وضواحيها تغلق مداخلها، ثم ظهرت الاحتجاجات في مدن فرنسية أخرى، وسط دعوات متزايدة إلى تحسين ظروف التعليم، وتوفير الأساتذة، وتقليص الاكتظاظ، وإصلاح المؤسسات التعليمية التي تعاني من تدهور واضح في بنيتها التحتية.

وتشير المعطيات الحديثة إلى أن الحركة أصبحت أوسع بكثير من بدايتها، إذ شهدت مئات المؤسسات عمليات إغلاق أو تعطيل، فيما تحدثت نقابات التلاميذ عن اضطراب أو إغلاق نحو 1800 مدرسة ثانوية في يوم التعبئة الوطنية في السادس من أكتوبر. كما خرج عشرات الآلاف إلى الشوارع بمشاركة التلاميذ والأساتذة والأولياء.

ولا يتعلق الغضب بمجرد نقص الموظفين، وإنما بصورة أعمق عن مدرسة فرنسية يقول التلاميذ إنها لم تعد توفر الحد الأدنى من ظروف التعلم.

ففي عدد من المؤسسات، يعاني التلاميذ من اكتظاظ الأقسام، ونقص الطاولات والكراسي، وغياب الأساتذة من دون تعويضهم، إضافة إلى مشاكل مرتبطة بتدهور المباني وسوء التجهيزات.

وتكشف الأرقام عن مفارقة لافتة: فعدد تلاميذ المدارس الثانوية ارتفع بنحو 250 ألف تلميذ مقارنة بعام 2008، بينما أصبح عدد الأساتذة أقل مما كان عليه في تلك السنة. كما تضم نسبة كبيرة من الأقسام العمومية أكثر من 30 تلميذا.

القمع الأمني يزيد الاحتقان

ومع اتساع رقعة الاحتجاجات، انتقلت الأزمة من ملف التعليم إلى مواجهة مباشرة بين التلاميذ وقوات الأمن.

وقد شهدت الأيام الماضية مواجهات عنيفة، وعمليات توقيف جماعية، واستخدام الغاز المسيل للدموع ووسائل تفريق المتظاهرين في عدد من المدن.

وأعلنت السلطات أن أكثر من 5000 شخص وضعوا قيد التوقيف منذ بداية الاضطرابات، وكانت الغالبية من القاصرين. وبحسب أحدث المعطيات، ارتفع العدد إلى أكثر من 6100 موقوف، فيما أعلنت وزارة العدل أن أكثر من 1800 شخص يواجهون إجراءات قضائية، بينهم عدد كبير من القاصرين.

كما ارتفعت حصيلة المصابين إلى 215 تلميذا و85 من العاملين في قطاع التربية، إضافة إلى مئات من أفراد الشرطة والدرك.

وأثارت بعض الإصابات الخطيرة جدلا واسعا، خصوصا بعد إصابة تلميذ في مدينة لانس أدت إلى فقدانه يده، فيما أصيب تلميذ آخر في تور بجروح خطيرة في عينه خلال احتجاجات سابقة. وفي المقابل، تؤكد الحكومة أن غالبية إصابات التلاميذ كانت نتيجة حوادث أو أعمال قام بها أشخاص آخرون خلال الاضطرابات.

وأعلنت السلطات أيضا فتح تحقيقات داخل جهاز التفتيش العام للشرطة بشأن عدد من التدخلات الأمنية، في وقت دعت فيه منظمات حقوقية إلى خفض التصعيد واحترام الحق في الاحتجاج السلمي.

الحكومة بين الاحتواء والعجز المالي

وجدت حكومة رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد.

فهي مطالبة من جهة بتهدئة التلاميذ وتقديم حلول لمشاكل المدارس، لكنها من جهة أخرى تواجه ضغوطا مالية كبيرة وتعمل على تمرير ميزانية عام 2027 بهدف تقليص العجز العام.

وبذلك، فإن الاستجابة للمطالب التعليمية تعني ضخ أموال إضافية في وقت تحاول فيه الحكومة فرض سياسة تقشفية للسيطرة على المالية العامة.

وقد حاولت الحكومة فتح قنوات للحوار مع ممثلي التلاميذ، إلا أن اللقاءات لم تؤد إلى اتفاق، الأمر الذي دفع قادة الحركة إلى الدعوة لمزيد من التعبئة.

وفي أحدث تطور، أمر لوكورنو وزراءه بالعمل على معالجة عدد من مطالب التلاميذ، بينها تعويض الأساتذة الغائبين، وإصلاح المؤسسات القديمة، وإعادة النظر في ظروف الدراسة وبعض جوانب الحياة المدرسية.

التعليم يتحول إلى ساحة للصراع السياسي

لكن الأزمة لم تعد تعليمية فقط.

فمع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة، بدأت القوى السياسية في استثمار الاحتجاجات كل وفق رؤيته.

وتحاول قوى اليسار تقديم نفسها مدافعة عن مطالب الشباب، بينما تستغل القوى اليمينية مشاهد العنف والفوضى للتشديد على الأمن والنظام العام.

كما دخل جان لوك ميلونشون وحزب فرنسا الأبية على خط الأزمة، معلنين دعم حق التلاميذ في الاحتجاج، وهو ما دفع الحكومة وخصوم اليسار إلى التركيز على حضور اليسار الراديكالي في بعض مواقع الاحتجاج.

وفي المقابل، يرى منتقدو الحكومة أن التركيز على التدخلات السياسية أو أعمال العنف يحجب أصل المشكلة، وهي أزمة متراكمة داخل قطاع التعليم تعود إلى سنوات.

شبح مايو 1968 يعود إلى الواجهة

وتستحضر الاحتجاجات الحالية تاريخا حساسا في الذاكرة السياسية الفرنسية، هو احتجاجات مايو 1968 التي بدأت بحركة طلابية قبل أن تتحول إلى واحدة من أكبر موجات الإضراب في تاريخ فرنسا.

غير أن الوضع الحالي يحمل خصوصية مختلفة.

فالتلاميذ المحتجون يقولون إنهم لا يطالبون بتغيير النظام السياسي أو بمطالب أيديولوجية كبرى، وإنما يريدون مدارس تسمح لهم بالتعلم في ظروف طبيعية: أساتذة موجودين، أقسام غير مكتظة، مبانٍ لائقة، ووسائل تعليمية كافية.

وهنا تكمن خطورة الأزمة بالنسبة للحكومة الفرنسية.

فحين يتحول جيل كامل من التلاميذ إلى التعبير عن شعور بأنه لا يجد من يسمعه، فإن القضية لا تبقى مرتبطة بميزانية التعليم وحدها، بل تصبح تعبيرا عن أزمة ثقة أوسع بين الشباب ومؤسسات الدولة.

أزمة التعليم أم أزمة جيل كامل؟

الأهم في هذه الاحتجاجات أن شرارتها لم تأت من قيادة سياسية مركزية، بل انتشرت بصورة شبه تلقائية من مدرسة إلى أخرى، وساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تسريع انتقالها.

وتشير هذه الديناميكية إلى أن الغضب لم يعد محصورا في قضية واحدة، بل أصبح يجمع بين مشاكل التعليم، والقلق بشأن المستقبل، والإحساس بعدم المساواة، والاحتجاج على أساليب تعامل الشرطة مع الشباب.

ومع انضمام الأساتذة والنقابات والأولياء إلى التحركات، يمكن أن تتحول الأزمة من احتجاج طلابي إلى حركة اجتماعية أوسع.

وهذا ما يجعل الحكومة أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع معالجة جذور الغضب من دون أن يؤدي الإنفاق المطلوب إلى تعقيد أزمتها المالية، وهل تستطيع فرض النظام من دون أن يؤدي الاستخدام المفرط للقوة إلى توسيع دائرة الاحتجاج؟

في النهاية، تبدو الرسالة التي يوجهها التلاميذ بسيطة: إنهم لا يطالبون بالمستحيل، وإنما يريدون مدرسة تمنحهم الحد الأدنى من شروط التعلم.

لكن في فرنسا التي تعاني أصلا من ضغوط مالية واستقطاب سياسي متزايد، قد تكون هذه المطالب البسيطة بداية لأزمة سياسية أكبر.

المصادر

  • شبكة سي إن إن، تقرير ميليسا بيل حول الاحتجاجات الطلابية في فرنسا، 6 أكتوبر 2026.
  • وكالة رويترز، تطورات الاحتجاجات المدرسية والمواجهات الأمنية، 6 أكتوبر 2026.
  • صحيفة لوموند، تطورات حركة إغلاق المدارس وإصابات التلاميذ، 5 و6 أكتوبر 2026.
  • وكالة أسوشيتد برس، اتساع الاحتجاجات الطلابية وتأثيرها السياسي، 6 أكتوبر 2026.
  • صحيفة الغارديان، الاحتجاجات الوطنية ومطالب التلاميذ، 6 أكتوبر 2026.

المحرر شريبط علي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى