
أوراسtv – تحليل
يتجه التصعيد العسكري في مضيق هرمز إلى مرحلة أكثر خطورة، بعدما شهدت المنطقة سلسلة حوادث وانفجارات استهدفت ناقلات نفط وسفنا تجارية، بالتزامن مع تحذيرات باكستانية من وجود أطراف قوية تسعى إلى عرقلة جهود الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، في مؤشر على أن المسار الدبلوماسي يواجه اختبارات ميدانية متزايدة.
وتأتي هذه التطورات في وقت دخلت فيه الحرب الأمريكية الإيرانية شهرها السابع، بعد مرور 244 يوما على اندلاعها، و135 يوما على توقيع مذكرة التفاهم بين الطرفين، وسط استمرار الخلافات بشأن الملفات الأمنية والعسكرية والملاحة البحرية والعقوبات الاقتصادية.
انفجارات متتالية في واحد من أهم الممرات النفطية
شهد مضيق هرمز ومحيطه، الجمعة، سلسلة حوادث بحرية أثارت مخاوف جديدة بشأن أمن الملاحة وإمدادات الطاقة العالمية.
وأعلن الحرس الثوري الإيراني انفجار ناقلة نفط عملاقة بعد عبورها من مسار وصفه بالمخالف، مشيرا إلى أن الحادثة الثالثة من نوعها خلال اليوم، قبل أن يعلن لاحقا وقوع انفجار آخر في ناقلة نفط نتيجة اصطدامها بلغم بحري جنوب المضيق.
واتهم الحرس الثوري الناقلة الأخيرة بتجاهل تحذيراته والمرور في مسار مخالف بتحريض من الجيش الأمريكي، وهي رواية لم يقدم المصدر ما يثبتها بصورة مستقلة.
وفي حادث منفصل، أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية بتعرض سفينة لإصابة بمقذوف مجهول على بعد نحو 40 ميلا بحريا جنوب جزيرة لافان الإيرانية، ما أدى إلى اندلاع حريق على متنها.
كما أعلنت سلطنة عُمان إخلاء مصاب من طاقم زورق هندي تعرض للاستهداف في مضيق هرمز، فيما أجلت البحرية السلطانية 25 فردا من طاقم سفينة تجارية تعرضت لهجوم أدى إلى اشتعال النيران فيها قرب سواحل محافظة مسندم.
وتكشف هذه الحوادث المتزامنة عن هشاشة الوضع الأمني في الممر البحري، خصوصا أن أي اضطراب مستمر فيه ستكون له انعكاسات مباشرة على حركة ناقلات النفط وأسعار الطاقة والتجارة الدولية.
باكستان تحذر من أطراف تسعى لإفشال المفاوضات
بالتوازي مع التصعيد البحري، أطلق الجيش الباكستاني تحذيرا لافتا من وجود أطراف قوية تعمل على عرقلة الوساطة بين واشنطن وطهران.
وأكد متحدث باسم الجيش أن المؤسسة العسكرية في بلاده تنظر بتفاؤل حذر إلى الجهود الدبلوماسية، لكنها تدرك وجود محاولات لإفشال التقارب بين الطرفين، دون الكشف عن هوية الجهات التي تقف وراء هذه التحركات.
ويكتسب الموقف الباكستاني أهمية خاصة بالنظر إلى الدور الذي تؤديه إسلام آباد في تقريب وجهات النظر بين الطرفين، ومحاولة منع انهيار التفاهمات التي جرى التوصل إليها بعد أشهر من المواجهة العسكرية.
كما ربط الجيش الباكستاني إمكانية إرسال مزيد من القوات للدفاع عن السعودية بتطورات الوضع والقرار السياسي، في إشارة إلى أن تداعيات المواجهة لم تعد محصورة في واشنطن وطهران، بل باتت تمس التوازنات الأمنية الإقليمية.
ترمب يتمسك بخيار التفاوض ويواصل الضغط
من جهته، أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب استمرار الاتصالات مع إيران، قائلا إن الإيرانيين يريدون التفاوض ويواصلون الحديث مع واشنطن.
وفي الوقت نفسه، حاول ترمب التقليل من الكلفة الاقتصادية للحرب، مدعيا أن الولايات المتحدة أنفقت مبالغ محدودة نسبيا، وأنها عوضت ما أنفقته بأكثر من عشرة أضعاف من عائدات فنزويلا.
كما أشار إلى أن الحرب ليست مواجهة تقليدية، وأن بلاده تملك الوقت الكافي لمواصلة الضغط على طهران.
وتعكس هذه التصريحات محاولة أمريكية للجمع بين رسالتين متناقضتين ظاهريا: الإبقاء على باب التفاوض مفتوحا، مع استمرار سياسة الضغط العسكري والاقتصادي لإجبار إيران على تقديم تنازلات.
لكن استمرار الحوادث في مضيق هرمز يضع هذه الاستراتيجية أمام اختبار حقيقي، لأن أي مواجهة بحرية واسعة قد تفرض على الطرفين حسابات تتجاوز حدود التفاوض السياسي.
حشد عسكري أمريكي ورسائل ردع متبادلة
وفي سياق متصل، تواصل واشنطن تعزيز حضورها العسكري في الشرق الأوسط، وسط تحركات قد تسمح بوجود ثلاث حاملات طائرات أمريكية في المنطقة، بالتزامن مع تعثر التسوية واستمرار التوتر حول مضيق هرمز.
وتشير المعطيات المتعلقة بحاملة الطائرات الأمريكية أبراهام لنكولن إلى أنها أمضت أكثر من 260 يوما متواصلة في البحر، ضمن انتشار عسكري استمر 321 يوما، شاركت خلاله في العمليات المرتبطة بالحرب على إيران.
ويطرح الحشد العسكري الأمريكي تساؤلات بشأن طبيعة المرحلة المقبلة: هل تستخدم واشنطن هذه القوات لرفع مستوى الضغط على طهران ودفعها إلى اتفاق، أم أنها تهيئ الظروف العسكرية لجولة جديدة من المواجهة؟
وفي المقابل، أعلن الحرس الثوري إسقاط مسيرة استطلاع أمريكية في جزيرة قشم، بينما نفت القيادة المركزية الأمريكية ادعاء تدمير زورق أمريكي مسير في المضيق، مؤكدة أن جميع زوارقها المسيرة في الشرق الأوسط لا تزال موجودة.
ويعكس تبادل هذه الإعلانات حجم التوتر العسكري والعملياتي في المنطقة، حتى في ظل استمرار الحديث عن المفاوضات.
النفط يدفع ثمن المواجهة
اقتصاديا، انعكس التصعيد بصورة مباشرة على أسواق الطاقة، إذ تجاوز خام برنت مستوى 117 دولارا للبرميل، وسط مخاوف المستثمرين من تجدد الضربات الأمريكية على إيران، واحتمالات استمرار استهداف السفن وناقلات النفط في مضيق هرمز.
وسجلت العقود الآجلة لخام برنت تسليم ديسمبر ارتفاعا إلى 117.15 دولارا للبرميل، بزيادة بلغت 1.98 بالمئة، فيما ارتفع عقد يناير الأكثر تداولا إلى 112.99 دولارا.
ولا يرتبط هذا الارتفاع بالمخاوف العسكرية وحدها، بل يعكس أيضا القلق من استمرار اضطراب الإمدادات النفطية عبر أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وهو ما قد يرفع تكاليف النقل والتأمين ويزيد الضغوط التضخمية على الاقتصادات المستوردة للطاقة.
لبنان جبهة مفتوحة وتداعيات إنسانية متواصلة
وفي لبنان، أعلنت وزارة الصحة ارتفاع حصيلة العدوان الإسرائيلي منذ الثاني من مارس إلى 4389 قتيلا و12428 جريحا، وفق بياناتها الصادرة في 30 أكتوبر.
كما أفادت الأمم المتحدة بأن أكثر من 300 ألف شخص لا يزالون نازحين داخل البلاد، رغم تمكن نحو 970 ألفا من العودة إلى مناطقهم في جنوب لبنان.
وحذر المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة من أن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية ووجود القوات الإسرائيلية في الجنوب يقوضان قدرة السكان على العودة الآمنة وإعادة بناء حياتهم.
ويؤكد استمرار هذه التطورات أن تداعيات الحرب تجاوزت المواجهة الأمريكية الإيرانية المباشرة، لتشمل جبهات إقليمية متعددة، ما يجعل أي تسوية جزئية معرضة للاهتزاز بفعل ارتباط الملفات الأمنية بعضها ببعض.
مفاوضات تحت ضغط الانفجار
تضع تطورات مضيق هرمز الوساطة الباكستانية أمام اختبار بالغ الصعوبة، خصوصا أن استمرار الحوادث البحرية بالتزامن مع الحشد العسكري الأمريكي يرفع احتمالات سوء التقدير والانزلاق إلى مواجهة جديدة.
وتبدو واشنطن حريصة على إبقاء التفاوض قائما، لكنها لا تتخلى عن أدوات الضغط العسكري والاقتصادي، في حين تحاول طهران الحفاظ على أوراقها الاستراتيجية، وفي مقدمتها قدرتها على التأثير في أمن الملاحة وإمدادات الطاقة.
أما تحذير الجيش الباكستاني من وجود أطراف تسعى إلى إفشال الوساطة، فيسلط الضوء على عامل إضافي في الأزمة، يتمثل في تعدد الجهات التي قد تتضرر مصالحها من أي تسوية أمريكية إيرانية.
وبين انفجارات الناقلات وارتفاع أسعار النفط واستمرار الحشد العسكري، تبدو المنطقة أمام مفترق طرق حاسم: إما أن تنجح الوساطة في احتواء التصعيد وتحويل التفاهمات إلى اتفاق مستدام، أو أن تتحول الحوادث البحرية إلى شرارة مواجهة جديدة يصعب التحكم في حدودها وتداعياتها.
المصادر:
- الجزيرة: التغطية المباشرة للتطورات الأمريكية الإيرانية، 30 أكتوبر 2026.
- هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية: بلاغات الحوادث البحرية قرب جزيرة لافان.
- رئاسة الأركان العُمانية: بيانات إجلاء المصابين وأطقم السفن.
- وزارة الصحة اللبنانية: الحصيلة التراكمية للعدوان حتى 30 أكتوبر.
- الأمم المتحدة: تصريحات المتحدث باسم الأمين العام بشأن النازحين في لبنان.
- تصريحات الجيش الباكستاني والرئيس الأمريكي دونالد ترمب.
المحرر شريبط علي



