
أوراس تي في | تحليل
تتزايد مؤشرات التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، في وقت تبدو فيه الجهود الدبلوماسية عاجزة عن تحقيق اختراق ينهي الحرب ويضمن عدم تجددها. وبينما تتحدث طهران عن استعدادها لمنح الدبلوماسية فرصة جديدة، تربط استئناف المفاوضات بوقف التهديدات الأمريكية ورفع العقوبات، في المقابل تواصل واشنطن تشديد الضغط الاقتصادي والبحري، وسط تلويح باستئناف العمليات العسكرية.
وجاءت الأنباء عن تحليق عشرات المقاتلات الإسرائيلية قرب الحدود الإيرانية، بالتزامن مع تصريحات متشددة من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لتضيف عاملا جديدا إلى مشهد إقليمي شديد التوتر، خصوصا مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية وتزايد المخاوف من استخدام التصعيد العسكري لتعزيز أوراق الضغط السياسي.
تحركات إسرائيلية ورسائل تتجاوز الاستعراض العسكري
بحسب ما نقله موقع «أكسيوس» عن مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين، نفذت عشرات المقاتلات الإسرائيلية، الاثنين، طلعة جوية عبر مسار يمر فوق سوريا والعراق وصولا إلى محيط الحدود الإيرانية، في مسار قيل إنه يتوافق مع التحضير لهجوم محتمل.
وأبلغت إسرائيل واشنطن بأن التحرك يندرج ضمن تدريب يهدف إلى استعراض القوة وردع إيران، غير أن مصادر أمريكية أبدت اعتقادها بأن تل أبيب ربما كانت تأمل في دفع طهران إلى استهداف المقاتلات، بما قد يوفر مبررا لتصعيد عسكري جديد.
وتبقى هذه المعطيات في إطار ما نقلته وسائل إعلام عن مسؤولين، ولا تعني أن قرارا نهائيا باستئناف الحرب قد اتُّخذ. لكنها تكشف حجم انعدام الثقة بين الأطراف، واحتمال توظيف التحركات العسكرية لزيادة الضغط خلال مرحلة التفاوض.
وتكتسب هذه التطورات أهمية إضافية في ظل الحديث عن تحفظات داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بشأن توقيت أي هجوم جديد، إذ قد يؤدي استئناف الحرب إلى تداعيات سياسية داخلية، لا سيما مع اقتراب الانتخابات المقررة في السابع والعشرين من أكتوبر.
نتنياهو يريد منع إيران من استعادة قدراتها
في تصريحات تعكس تمسكه بالخيار العسكري، قال نتنياهو إن إسرائيل أنجزت، بحسب تقديره، الجزء الأكبر من مهمتها ضد إيران وحلفائها، لكنه شدد على أن التحدي المتبقي يتمثل في منع طهران من إعادة بناء قدراتها النووية والصاروخية.
كما اعتبر أن إيران ستواصل السعي إلى تطوير برنامجها النووي وصواريخها الباليستية ما دام النظام الحالي قائما، وذهب إلى القول إن إزالة التهديد الإيراني لا يمكن أن تتحقق من دون تغيير جذري في سلوك النظام.
وتكشف هذه التصريحات أن الخلاف لا يتعلق فقط بوقف العمليات العسكرية، بل يمتد إلى طبيعة الترتيبات التي تريد إسرائيل فرضها على إيران بعد الحرب. فبينما تركز واشنطن على منع طهران من امتلاك سلاح نووي وإجبارها على قبول شروط تتصل بالبرنامج النووي ومضيق هرمز، تبدو المطالب الإسرائيلية أوسع، إذ تشمل الحيلولة دون استعادة إيران قدراتها العسكرية والإقليمية.
ومن شأن هذا التباين أن يعقّد أي تسوية، خصوصا إذا رأت طهران أن المطلوب منها ليس تقديم ضمانات أمنية محددة، وإنما القبول بقيود دائمة على قدرتها الدفاعية ومكانتها الإقليمية.
طهران تعرض التفاوض بشروط واضحة
في المقابل، أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي استعداد بلاده لمنح الدبلوماسية فرصة أخرى، شرط أن تقدم الولايات المتحدة دليلا على رغبتها الصادقة في التوصل إلى حل عادل.
وحذر عراقجي من أن اختيار واشنطن الحرب بدلا من المسار الدبلوماسي سيقود، بحسب تعبيره، إلى فشل استراتيجي أكبر، مؤكدا أن إيران لن تتخلى عن الدفاع عن سيادتها في مواجهة أي اعتداء.
لكن الانفتاح الإيراني لا يعني الاستعداد للعودة غير المشروطة إلى طاولة المفاوضات. فقد أكدت القيادة الإيرانية، خلال لقاءات مع قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، تمسكها برفع العقوبات والتهديدات قبل استئناف الحوار، إلى جانب رفض نقل اليورانيوم المخصب إلى خارج الأراضي الإيرانية.
ويعكس هذا الموقف محاولة طهران تحويل المفاوضات إلى مسار متبادل، بدلا من الدخول فيها تحت ضغط عسكري واقتصادي متواصل. فإيران تريد ضمانات مسبقة لبناء الثقة، بينما تصر واشنطن على الحصول على تنازلات تتصل بالبرنامج النووي وأمن الملاحة في مضيق هرمز.
وتظل هذه الفجوة جوهر الأزمة: الولايات المتحدة تريد اتفاقا يحد من قدرة إيران على تهديد المصالح الأمريكية والإسرائيلية، في حين ترى طهران أن أي اتفاق لا يتضمن رفع الضغوط عنها ولا يحمي سيادتها لن يكون قابلا للاستمرار.
العقوبات والحصار البحري سلاحان في معركة الإرادات
بالتوازي مع التهديدات العسكرية، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات جديدة مرتبطة بإيران، شملت خمسة أفراد وأربع شركات وتسع سفن، إلى جانب كيانات تعمل في مجالات الشحن والخدمات القانونية.
وتندرج هذه الإجراءات ضمن استراتيجية الضغط على الموارد المالية والتجارية الإيرانية، في محاولة لدفع القيادة إلى تقديم تنازلات على طاولة التفاوض.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد ادعى أن الضربات ألحقت أضرارا كبيرة بالقدرات العسكرية الإيرانية واقتصاد البلاد، كما تحدث عن ارتفاع حاد في معدل التضخم. غير أن الأرقام التي أوردها بشأن التضخم، ومنها نسبة بلغت 301 في المائة، وردت في تصريحاته ولا تكفي وحدها لإثبات حجم الأزمة الاقتصادية من دون بيانات مستقلة تؤكدها.
وتعتمد واشنطن كذلك على الحصار البحري للضغط على صادرات النفط الإيرانية، بينما تتحدث طهران عن استمرار القيود المفروضة على الملاحة ورفضها الخضوع للشروط الأمريكية.
لكن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطر تتجاوز إيران، إذ يمكن أن يؤدي استمرار تعطيل الإمدادات أو تهديد حركة الناقلات إلى ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة الضغوط على الاقتصادات المستوردة للنفط.
ناقلات النفط تفتح جبهة جديدة للتصعيد
في تطور يزيد المخاوف بشأن أمن الملاحة، أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية تعرض ناقلتي نفط لمقذوفات مجهولة قبالة سواحل العراق وسلطنة عُمان، الأربعاء، مع اندلاع حريق على متن إحدى الناقلتين، وفق المعلومات الأولية المنشورة.
ولم تتضح، في المعطيات الواردة، الجهة المسؤولة عن الحادثين أو طبيعة المقذوفات المستخدمة، كما لم تُسجل إصابات بين أفراد الطواقم بحسب التقارير الأولية.
وتأتي هذه الحوادث في وقت تتصاعد فيه المخاوف من تحول الممرات البحرية في الخليج وبحر عُمان إلى ساحة ضغط متبادل. فأي استهداف متكرر لناقلات النفط قد يرفع تكاليف التأمين والشحن، ويدفع شركات النقل إلى تغيير مساراتها أو تأجيل رحلاتها، بما ينعكس على أسواق الطاقة العالمية.
وسجلت أسعار النفط ارتفاعا خلال التداولات، وفق الأرقام التي أوردها التقرير، إذ صعد خام برنت إلى نحو 110.38 دولارات للبرميل، فيما بلغ خام غرب تكساس الوسيط نحو 99.18 دولارا. ويعكس هذا التحرك حساسية الأسواق تجاه أي اضطراب محتمل في الإمدادات، لكنه لا يثبت وحده أن الحوادث البحرية هي السبب الوحيد وراء ارتفاع الأسعار.
هل تقترب المنطقة من جولة حرب جديدة؟
تتجمع في المشهد الحالي ثلاثة عوامل تدفع نحو التصعيد: استمرار الخلاف حول الشروط النووية، وتشديد العقوبات والحصار البحري، والتحركات العسكرية الإسرائيلية التي قد تتحول إلى مواجهة إذا أسيء تقدير الرسائل المتبادلة.
في المقابل، لا تزال هناك مؤشرات على أن باب الوساطة لم يُغلق نهائيا، مع استمرار التحركات الباكستانية ومحاولات إبقاء الاتصال بين واشنطن وطهران قائما. غير أن نجاح هذه الجهود يتوقف على قدرة الطرفين على تقديم تنازلات متبادلة، بدلا من استخدام المفاوضات مجرد وسيلة لكسب الوقت أو تحسين شروط المواجهة.
وتواجه إدارة ترامب معادلة معقدة: فهي تريد انتزاع اتفاق يمنع إيران من امتلاك سلاح نووي ويضمن أمن الملاحة، لكنها تدرك أن العودة إلى حرب واسعة قد ترفع كلفة الطاقة وتزيد اضطراب المنطقة. أما إسرائيل، فتسعى إلى ضمان عدم استعادة إيران قدراتها العسكرية، في وقت تحيط فيه بالحكومة حسابات انتخابية داخلية.
وبالنسبة إلى طهران، فإن القبول بشروط أمريكية تحت التهديد قد يُنظر إليه داخليا على أنه تراجع، بينما قد يؤدي رفض التسوية إلى استمرار الضغوط الاقتصادية واحتمال تجدد الضربات.
الخلاصة: لا تشير التطورات إلى تسوية وشيكة بقدر ما تكشف عن مرحلة شديدة الحساسية تتداخل فيها الدبلوماسية مع الردع العسكري والحرب الاقتصادية. وقد تكون التحركات قرب الحدود الإيرانية وحوادث ناقلات النفط أدوات ضغط ضمن هذه المعركة، لكن تحولها إلى مواجهة واسعة سيظل مرتبطا بالقرارات السياسية المقبلة ومدى قدرة الوسطاء على منع انزلاق الأطراف إلى تصعيد يصعب احتواؤه.
المصادر
- الجزيرة: التغطية المباشرة للتطورات بين واشنطن وطهران، 21 أكتوبر 2026.
- أكسيوس: معلومات عن تحليق المقاتلات الإسرائيلية قرب إيران.
- فايننشال تايمز: تقارير بشأن الخطط الإسرائيلية المحتملة لاستئناف الضربات.
- هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية: بلاغات استهداف ناقلتي النفط قبالة العراق وسلطنة عُمان.
- وزارة الخزانة الأمريكية: إعلان العقوبات الجديدة المرتبطة بإيران.
المحرر شريبط علي



