دولي

هزيمة ترمب تربك واشنطن.. الديمقراطيون يسيطرون على الكونغرس والحرب على إيران تفجر الخلافات داخل الإدارة الأمريكية

انتخابات التجديد النصفي تفتح مرحلة سياسية جديدة في الولايات المتحدة.. وفانس يحمّل الحرب على إيران مسؤولية الهزيمة، وعبد الرحمن السيد يطالب بوقفها ومراجعة الدعم الأمريكي لإسرائيل

تدخل الولايات المتحدة مرحلة سياسية شديدة الحساسية عقب الهزيمة التي مني بها الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي، بعدما تمكن الديمقراطيون من انتزاع الأغلبية في مجلسي الشيوخ والنواب، في تحول يعيد رسم موازين القوى داخل واشنطن، ويضع الرئيس دونالد ترمب أمام تحديات سياسية وتشريعية قد تعرقل أجندته خلال العامين الأخيرين من ولايته.

ولم تقتصر تداعيات النتائج على خسارة الجمهوريين أغلبيتهم البرلمانية، بل امتدت إلى داخل الإدارة الأمريكية نفسها، حيث تصاعدت الخلافات بشأن الحرب على إيران، وبرزت مؤشرات على تراجع التوافق التقليدي داخل الحزب الجمهوري حول السياسة الخارجية، خصوصا العلاقة مع إسرائيل ومستقبل المواجهة مع طهران.

وجاءت هذه الهزيمة في سياق استياء متزايد لدى شرائح واسعة من الناخبين بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة والتضخم وتداعيات الحرب على إيران، فضلا عن الجدل المرتبط بالسياسة التجارية والهجرة. واعتبر مراقبون أن النتائج تمثل تصويتا عقابيا على سياسات الإدارة، وليس مجرد تحول عابر في المزاج الانتخابي.

فانس يحمّل حرب إيران مسؤولية الهزيمة

وكان من أبرز التطورات السياسية التي أعقبت الانتخابات خروج نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس عن الخطاب الرسمي للإدارة، بعدما حمّل الحرب على إيران مسؤولية مباشرة في خسارة الجمهوريين، معتبرا أن استمرار المواجهة كلّف الحزب ثمنا انتخابيا باهظا.

وفي موقف لافت، دعا فانس إلى إعادة ترتيب الأولويات السياسية، واضعا إنهاء الحرب في مقدمة المطالب، إلى جانب معالجة التضخم وارتفاع الأسعار، والعودة إلى شعار «أمريكا أولا»، وإعادة النظر في طبيعة العلاقة مع إسرائيل.

وتكشف هذه التصريحات عن اتساع الخلافات داخل المعسكر الجمهوري، خصوصا أن تقارير إعلامية أمريكية تحدثت عن تحذيرات سابقة وجهها فانس إلى ترمب بشأن محدودية التأييد الشعبي للحرب، واحتمال انعكاسها سلبا على نتائج الانتخابات.

وتضع هذه التطورات العلاقة بين الرئيس ونائبه أمام اختبار سياسي جديد، في ظل تكهنات بشأن طموحات فانس الرئاسية، ومحاولته التمايز عن قرارات الإدارة، استعدادا للمرحلة السياسية المقبلة.

عبد الرحمن السيد.. صوت جديد يطالب بإنهاء الحرب

وفي مقابل الخطاب الجمهوري المنقسم، برز فوز الديمقراطي عبد الرحمن السيد، المعروف باسم عبدول، بمقعد في مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، باعتباره أحد أبرز المؤشرات على التحولات السياسية والاجتماعية التي أفرزتها الانتخابات.

ويمثل وصوله سابقة تاريخية بوصفه أول مسلم يفوز بمقعد في مجلس الشيوخ الأمريكي، كما يحمل فوزه دلالات سياسية تتجاوز البعد الانتخابي، بالنظر إلى مواقفه المنتقدة للحرب الإسرائيلية في غزة، ورفضه استخدام أموال دافعي الضرائب الأمريكيين لتمويل الأسلحة التي تُستخدم ضد المدنيين الفلسطينيين.

وفي تصريحاته عقب الفوز، دعا السيد إلى إنهاء الحرب على إيران والعودة إلى المسار الدبلوماسي، مستشهدا بالتجربة التي اعتمدتها إدارة باراك أوباما لاحتواء الملف النووي الإيراني عبر التفاوض.

واعتبر أن الحرب لا تؤدي إلا إلى استنزاف الموارد الأمريكية، من خلال تكاليفها العسكرية وانعكاساتها على أسعار الوقود والغذاء، فضلا عن سقوط قتلى في صفوف الجنود الأمريكيين.

كما شدد على ضرورة إخضاع القرارات المرتبطة بالحرب للمساءلة، مؤكدا رفضه توظيف أموال الضرائب الأمريكية لدعم ما وصفه بالإبادة الجماعية والفصل العنصري والحروب.

وتعكس هذه المواقف اتساع مساحة الأصوات المنتقدة للسياسة الأمريكية تجاه إسرائيل داخل المؤسسات السياسية، في وقت لم يعد فيه الدعم التقليدي لتل أبيب بمنأى عن الخلافات الحزبية والانتخابية.

إسرائيل أمام تحولات في واشنطن

وتثير النتائج الانتخابية مخاوف متزايدة في إسرائيل، خصوصا مع صعود شخصيات سياسية أمريكية تتبنى مواقف أكثر انتقادا للسياسات الإسرائيلية، وتطالب بمراجعة المساعدات العسكرية والمالية المقدمة لحكومة بنيامين نتنياهو.

ولم يعد التحدي مقتصرا على خسارة الجمهوريين للأغلبية، بل يتعلق أيضا بتراجع قدرة جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل على ضمان استمرار الإجماع التقليدي داخل الكونغرس.

ويكتسب هذا التحول أهمية إضافية مع تحميل فانس العلاقة مع إسرائيل والحرب على إيران جزءا من المسؤولية عن التراجع الانتخابي، وهو ما يفتح الباب أمام نقاش أوسع بشأن حدود الدعم الأمريكي غير المشروط لتل أبيب.

وفي المقابل، تواجه حكومة نتنياهو احتمالات أكثر تعقيدا، إذ قد تجد نفسها أمام إدارة أمريكية مضطرة إلى إعادة حساباتها العسكرية والدبلوماسية، سواء عبر إنهاء المواجهة مع إيران أو مواصلة التصعيد على حساب الاستقرار الداخلي الأمريكي.

روبيو يدرس مغادرة الإدارة وطموحات الرئاسة تتقدم

وعلى صعيد آخر، برزت أنباء عن احتمال استقالة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، بعدما نقلت صحيفة «إندبندنت» البريطانية عن مصادر مقربة منه أنه يدرس مغادرة منصبه والنأي بنفسه عن إدارة ترمب، تمهيدا لخوض السباق الرئاسي لعام 2028.

وبحسب المصادر نفسها، فإن استمرار روبيو في منصبه قد يشكل عبئا على طموحاته السياسية، في ظل ارتباط اسمه بالقرارات الخارجية للإدارة الحالية، خصوصا مع تصاعد الانتقادات للحرب على إيران.

وتشير هذه المعطيات إلى أن تداعيات الهزيمة الانتخابية قد تتجاوز التغييرات التشريعية، لتطال مستقبل الشخصيات البارزة داخل الإدارة الجمهورية، مع بدء التحضير المبكر لمعركة خلافة ترمب داخل الحزب.

غير أن هذه الأنباء لا تزال في إطار التسريبات والتكهنات الإعلامية، ولم يصدر تأكيد رسمي بشأن استقالة روبيو.

ترمب يتمسك بهيغسيث رغم الضغوط

وفي مواجهة التداعيات السياسية، أبدى ترمب تمسكه بوزير الحرب بيت هيغسيث، مؤكدا عزمه الإبقاء عليه في منصبه، رغم التقارير التي تتحدث عن استعداد الديمقراطيين لاستخدام أغلبيتهم الجديدة لفتح تحقيقات بشأن إدارة الحرب على إيران.

كما شدد متحدث باسم وزارة الحرب، وفق ما نقلته وكالة بلومبيرغ، على أن هيغسيث سيواصل تنفيذ أجندة الرئيس، ولن يتراجع أمام الضغوط السياسية أو التحقيقات التي وصفها بأنها تستهدف تحقيق مكاسب حزبية.

لكن انتقال السيطرة على الكونغرس إلى الديمقراطيين يمنحهم صلاحيات رقابية وتشريعية أوسع، بما يسمح باستدعاء المسؤولين الحكوميين وفتح جلسات استماع والتحقيق في القرارات العسكرية والإنفاق المرتبط بالحرب.

القطاع المصرفي بدوره تحت رقابة الديمقراطيين

ولا تقتصر انعكاسات التحول السياسي على الملفات الخارجية، إذ تستعد المؤسسات المصرفية الأمريكية لمواجهة مرحلة من الرقابة المشددة، بعدما أعلن الديمقراطيون توجههم نحو تكثيف التحقيقات بشأن الرسوم المصرفية وأسعار الفائدة على بطاقات الائتمان وشروط الإقراض والرهون العقارية.

وتتوقع أوساط مالية استدعاء مسؤولين تنفيذيين في كبرى البنوك للإدلاء بشهاداتهم أمام اللجان البرلمانية، في محاولة لمراجعة السياسات التنظيمية التي اعتمدتها إدارة ترمب خلال العامين الماضيين.

ويعكس هذا التوجه رغبة الديمقراطيين في تحويل فوزهم الانتخابي إلى إجراءات ملموسة تستهدف ملفات القدرة الشرائية وحماية المستهلكين، وهي القضايا التي شكلت جزءا أساسيا من معركة الانتخابات.

هل دخلت حركة ترمب مرحلة التراجع؟

وتفتح الهزيمة الانتخابية نقاشا متصاعدا بشأن مستقبل حركة «ماغا» التي شكلت العمود الفقري للعودة السياسية لترمب، خصوصا بعد الانتقادات التي وجهتها أصوات داخل التيار المحافظ لسياسات الرئيس وخطابه السياسي.

ويرى منتقدون أن تركيز الحزب الجمهوري المفرط على شخصية ترمب، إلى جانب تجاهل المخاوف الاقتصادية وتداعيات الحرب الخارجية، أضعف قدرته على الاحتفاظ بقاعدته الانتخابية وتوسيع نفوذه بين الشباب والأقليات والنساء.

كما أظهرت استطلاعات الرأي، وفق شبكة «سي إن إن»، ميلا واضحا لدى الناخبين الشباب من أصول لاتينية إلى دعم الديمقراطيين، حيث بلغت نسبة التصويت لهم نحو 79 بالمئة لدى الفئة العمرية بين 18 و29 عاما، مقابل 18 بالمئة للجمهوريين.

وتشير هذه الأرقام إلى أن التحولات الديمغرافية والاجتماعية أصبحت عاملا مؤثرا في تحديد مستقبل التوازنات السياسية الأمريكية، ولم تعد القواعد الانتخابية التقليدية كافية لضمان استمرار الهيمنة الجمهورية.

ترمب أمام اختبار سياسي صعب

وبينما أقر ترمب بخسارة حزبه، نافيا اعتبارها انتكاسة شخصية له، فإن سيطرة الديمقراطيين على غرفتي الكونغرس تضع إدارته أمام واقع سياسي مختلف، تتقلص فيه قدرتها على تمرير التشريعات وتنفيذ أولوياتها دون مواجهة معارضة برلمانية قوية.

وتبرز الحرب على إيران باعتبارها الاختبار الأكثر حساسية في المرحلة المقبلة، إذ يجد الرئيس الأمريكي نفسه أمام خيارات متباينة: استئناف العمليات العسكرية، أو التوصل إلى تسوية دبلوماسية، أو مواصلة سياسة الضغط الاقتصادي والحصار البحري.

لكن أيا من هذه الخيارات لن يكون معزولا عن الحسابات الداخلية، بعدما تحولت الحرب إلى قضية انتخابية دفعت شخصيات بارزة داخل الحزب الجمهوري إلى المطالبة بمراجعة مسارها.

وبذلك، لا تبدو هزيمة الجمهوريين مجرد خسارة لأغلبية برلمانية، بل مؤشرا على أزمة أعمق داخل المشروع السياسي لترمب، قد تمتد تداعياتها إلى مستقبل الحزب الجمهوري، وموازين القوى في الشرق الأوسط، وطبيعة العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، فضلا عن مسار المواجهة مع إيران.

المصادر:

  • شبكة الجزيرة.
  • شبكة سي إن إن.
  • وكالة رويترز.
  • وكالة بلومبيرغ.
  • صحيفة إندبندنت البريطانية.
  • صحيفة واشنطن بوست.
  • صحيفة وول ستريت جورنال.
  • شبكة إيه بي سي نيوز.

المحرر شريبط علي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى