دولي

نتنياهو يتحدى ترمب.. حسابات الانتخابات تدفع إسرائيل لرفض خطة غزة

في خطوة تحمل أبعادًا سياسية وانتخابية أكثر من كونها مجرد خلاف بشأن تفاصيل خطة وقف إطلاق النار في غزة، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رفض حكومته الصريح للوثيقة الأمريكية المؤلفة من 15 نقطة، في موقف قد يضعه في مواجهة مباشرة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.

وقال نتنياهو خلال الاجتماع الأسبوعي للحكومة الإسرائيلية، الأحد، إن إسرائيل «لا تقبل الوثيقة ذات النقاط الـ15»، قبل أن يعيد التأكيد على موقفه بشكل واضح، في رسالة بدت موجهة إلى الداخل الإسرائيلي بقدر ما كانت موجهة إلى واشنطن.

ويأتي التصعيد في موقف نتنياهو في وقت يسعى فيه ترمب إلى تحقيق اختراق سياسي في ملف غزة، بعد أن أعلن قبل نحو عشرة أيام أن «مجلس السلام» الذي شكله توصل إلى اتفاق تاريخي مع حركة حماس بشأن نزع سلاحها بالكامل.

نتنياهو يضع نزع سلاح حماس أولا

يرى نتنياهو أن أي انسحاب إسرائيلي من قطاع غزة يجب أن يسبقه نزع كامل لسلاح حركة حماس، رافضًا فكرة الانسحاب التدريجي بالتوازي مع عملية تفكيك الأسلحة.

وقال إن الجيش الإسرائيلي لن ينسحب من غزة قبل نزع سلاح حماس، مشددًا على أن المقصود هو التخلص من الأسلحة الثقيلة والخفيفة وجميع أنواع الأسلحة، وليس مجرد إجراءات شكلية.

في المقابل، كان المبعوث الأمريكي الخاص نيكولاي ملادينوف قد تحدث عن إمكانية تنفيذ العملية على مراحل، بحيث يتم التحقق ميدانيًا من تفكيك الأسلحة ونقلها وتخزينها قبل أن تبدأ إسرائيل في الانسحاب التدريجي من القطاع.

ويكشف هذا التباين عن جوهر الخلاف بين تل أبيب وواشنطن: فبينما تريد الإدارة الأمريكية تحويل الاتفاق إلى مسار سياسي قابل للتنفيذ، يصر نتنياهو على جعل نزع سلاح حماس شرطًا سابقًا لأي انسحاب إسرائيلي.

لماذا يخاطر نتنياهو بإغضاب ترمب؟

قد يبدو تحدي الرئيس الأمريكي خيارًا شديد الخطورة بالنسبة لنتنياهو، خصوصًا أن ترمب كان أحد أبرز الداعمين لإسرائيل، لكن حسابات رئيس الوزراء الإسرائيلي تبدو مرتبطة بدرجة كبيرة بالانتخابات العامة المقبلة.

فالانتخابات الإسرائيلية باتت على بعد أقل من 12 أسبوعًا، وتشير استطلاعات الرأي إلى أن نتنياهو يواجه منافسة صعبة، ما يجعله بحاجة إلى الحفاظ على دعم الأحزاب اليمينية المتطرفة التي يمكن أن تكون حاسمة في تشكيل أي ائتلاف حكومي جديد.

وكان حلفاء نتنياهو من اليمين المتطرف قد انتقدوا بشدة خريطة الطريق الخاصة بغزة، وطالب بعضهم بالتراجع عن قرار سابق بالموافقة على نشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار في القطاع.

ومن هنا، يبدو أن تصريحات نتنياهو لم تكن موجهة إلى ترمب وحده، بل إلى الناخب الإسرائيلي أيضًا.

فالرسالة التي يحاول رئيس الوزراء إيصالها هي أنه لن يسمح لأي خطة دولية، مهما كان مصدرها، بفرض قيود على حرية إسرائيل العسكرية في قطاع غزة، خصوصًا فيما يتعلق بالانسحاب ونزع سلاح حماس.

معركة انتخابية قبل أن تكون خلافًا دبلوماسيًا

لا يقتصر موقف نتنياهو على محاولة استرضاء حلفائه من اليمين المتطرف، إذ تشير المعطيات السياسية إلى أن جزءًا كبيرًا من الناخبين الإسرائيليين لا يزال يؤيد ترمب، لكنه في الوقت نفسه يرفض أن تعني الخطط الأمريكية فرض قيود على العمليات الإسرائيلية في غزة.

وهذا يجعل هامش المناورة أمام نتنياهو ضيقًا للغاية.

فالتراجع أمام ترمب قد يمنحه مكاسب دبلوماسية مع واشنطن، لكنه قد يكلفه سياسيًا داخل إسرائيل. أما تحدي الرئيس الأمريكي، رغم مخاطره، فيمكن أن يعزز صورته أمام اليمين والناخبين الذين يريدون استمرار الحرب حتى تحقيق شروط إسرائيل الأمنية.

وبذلك، يبدو أن نتنياهو اختار ما يعتبره «الخيار الأقل سوءًا»: المخاطرة بإغضاب ترمب بدل المخاطرة بخسارة قاعدته الانتخابية.

حماس تلتزم بالخطة وتنتظر الضغط على نتنياهو

في المقابل، جاء رد حركة حماس أكثر هدوءًا، إذ أكدت تمسكها بخريطة الطريق، وطالبت «مجلس السلام» بممارسة الضغط على نتنياهو للالتزام بها.

لكن تنفيذ الخطة يظل محفوفًا بالشكوك، إذ لا تزال هناك تساؤلات حول استعداد حماس للتخلي فعلًا عن جميع أسلحتها، خصوصًا أن السلاح يمثل بالنسبة للحركة أحد أهم عناصر قوتها ونفوذها، فضلًا عن كونه وسيلة لحماية وجودها السياسي والعسكري داخل القطاع.

وفي الوقت نفسه، يواجه أي انسحاب إسرائيلي معارضة قوية داخل إسرائيل، ما يجعل الوصول إلى صيغة عملية بين الطرفين أكثر تعقيدًا.

غزة خارج حسابات السياسيين

وبينما ينشغل نتنياهو وترمب وحماس بموازين القوة وشروط الاتفاق، يبقى سكان غزة الطرف الأضعف في المعادلة.

فأكثر من مليوني فلسطيني في القطاع لا يملكون عمليًا القدرة على التأثير في القرارات التي تحدد مستقبلهم، في وقت تتواصل فيه المفاوضات حول قضايا الانسحاب ونزع السلاح وإعادة الإعمار والقوة الدولية.

ويحذر مسؤولون أمريكيون من أن فشل المسار الحالي قد يفتح الباب أمام إعادة تسليح حماس وعودة التصعيد، بينما ترى إسرائيل أن أي انسحاب قبل نزع السلاح يشكل خطرًا أمنيًا مباشرًا.

وهكذا، تتحول خطة ترمب إلى اختبار مزدوج: اختبار لقدرة الإدارة الأمريكية على فرض تسوية على حلفائها وخصومها، واختبار لقدرة نتنياهو على الموازنة بين علاقته بواشنطن ومستقبله السياسي في إسرائيل.

وفي النهاية، قد لا يكون رفض نتنياهو لخطة ترمب إعلانًا عن انهيار المسار بالكامل، بقدر ما هو محاولة لإعادة صياغة شروطه قبل الانتخابات. لكن كلما ارتفع سقف المواقف، أصبح التوصل إلى تسوية قابلة للتنفيذ أكثر صعوبة، بينما يظل سكان غزة ينتظرون نتائج صراع سياسي لا يملكون مفاتيحه.

المصادر

  • شبكة «سي إن إن» الأمريكية.
  • تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال اجتماع الحكومة.
  • تصريحات المبعوث الأمريكي نيكولاي ملادينوف.
  • تقارير إعلامية إسرائيلية بشأن الانتخابات وخطة إعادة إعمار غزة.

المحرر شريبط علي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى