
أوراسtv | تحليل
لم تعد التساؤلات الدولية بشأن دور دبي في حركة الأموال المشبوهة مقتصرة على تقارير قديمة عن العقارات الفاخرة أو تهريب الذهب، بل عادت إلى الواجهة خلال عام 2026 مع تحقيقات جديدة تتناول وجود شخصيات مرتبطة بشبكات إجرامية دولية، وتحويل عائدات الاتجار بالمخدرات عبر دبي، إلى جانب استخدام شركات وواجهات تجارية في عمليات مالية معقدة.
وتكشف هذه الملفات، عند جمعها زمنيا، عن صورة أكثر تعقيدا لمركز مالي وتجاري عالمي يستقطب الاستثمارات والأثرياء من مختلف أنحاء العالم، لكنه يواجه في الوقت نفسه تدقيقا متواصلا بشأن مدى قدرة منظومته الرقابية على منع استغلال العقارات والشركات والحسابات المالية في إخفاء الأموال ذات المصادر غير المشروعة.
شبكة كيناهان.. أحدث الملفات
من أبرز الملفات التي أعادت دبي إلى دائرة الاهتمام الدولي قضية شبكة كيناهان الإجرامية الأيرلندية، التي تصفها السلطات الأمريكية بأنها شبكة عابرة للحدود مرتبطة بتهريب المخدرات وغسل الأموال وتهريب الأسلحة.
وفي أغسطس 2026، كشفت منصة بيلينغكات، بالتعاون مع صحيفة صنداي تايمز، عن مراجعة لسجلات هجرة إماراتية أظهرت أن كريستوفر كيناهان الابن حصل في يوليو على تصريح إقامة جديد لمدة عامين، رغم خضوعه لعقوبات أمريكية ووجود مكافأة أمريكية مقابل معلومات تقود إلى اعتقاله. كما أظهرت السجلات أن برنارد كلانسي جدد إقامته في يناير.
وكشف التحقيق أيضا أن تأشيرة الإقامة الأخيرة لكريستي كيناهان، مؤسس الشبكة، كانت مرتبطة بشركة استشارات في دبي تحمل اسم «أو إس إيه للإستشارات الإدارية»، وهي شركة تقع في العنوان نفسه المرتبط بشركة أخرى قالت بيلينغكات إنها مرتبطة بالشبكة.
لكن تطورا جديدا طرأ على الملف في أغسطس الماضي، إذ أظهرت سجلات حكومية إماراتية، بحسب بيلينغكات، إلغاء إقامة كريستي كيناهان في 31 أغسطس، وذلك بعد أشهر من انتهاء صلاحية تأشيرته السابقة.
وبذلك لا يتعلق الملف بمجرد وجود شخص مطلوب في دبي، بل يكشف أيضا عن استخدام منظومة الشركات والإقامات في بيئة مالية وتجارية شديدة التعقيد، وهو ما جعل السلطات والجهات الدولية تراقب عن كثب حركة هذه الشبكة.
«دبي بنك».. عندما يتحول مهربو المخدرات إلى وسطاء ماليين
وفي إسبانيا، سلط تحقيق صحفي حديث الضوء على ما وصفته صحيفة «إل إنديبينديينتي» بشبكة مالية مرتبطة بتجار المخدرات، أطلق عليها المحققون اسم «دبي بنك».
وبحسب المعطيات الواردة في الملف، تحولت بعض الشخصيات التي كانت تنشط سابقا في تهريب الكوكايين إلى أدوار مالية، شملت تمويل شحنات المخدرات، وتحويل الأموال، وتحويل العملات المشفرة إلى أموال نقدية، وإنشاء الشركات وتسهيل العمليات المصرفية.
وتعود التحقيقات، وفق الرواية المنشورة، إلى عملية مرتبطة بسفينة حملت كميات ضخمة من الكوكايين، قبل أن يقود تتبع الأموال إلى شبكة مالية تعمل بين عدة دول.
وأسفرت العملية عن توقيف 21 شخصا، وتجميد أصول تجاوزت قيمتها 20 مليون يورو، بينها 48 عقارا و76 مركبة و121 حسابا مصرفيا، إضافة إلى مبالغ نقدية ومجوهرات وساعات وحقائب فاخرة.
وتقول المعطيات إن أحد الوسطاء الماليين كان مقيما في دبي، في حين كان أحد أبرز قادة الشبكة يدير جزءا من نشاطه من الإمارة.
دبي والعملات المشفرة.. مسار آخر للأموال
لا تقتصر القضية على أوروبا.
ففي الهند، أعلنت إدارة الإنفاذ، في قضية مرتبطة بتهريب المخدرات وغسل الأموال، تقديم شكوى قضائية إضافية ضد خمسة أشخاص.
وقالت الإدارة إن جزءا من عائدات الجريمة مر عبر قنوات مصرفية إلى دبي، قبل تحويله إلى عملة مشفرة من نوع «يو إس دي تي»، ثم استخدام الأموال لاحقا لشراء مخدرات عبر الشبكة المظلمة. وأشارت إلى أن عائدات الجريمة التي جرى تحديدها في القضية بلغت نحو 3.9 كرور روبية هندية.
وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة لأنها تظهر أحد المسارات الحديثة لغسل الأموال: الانتقال من الأموال التقليدية إلى التحويلات المصرفية، ثم إلى العملات المشفرة، بما يسمح بإخفاء مسار الأموال وتعقيد عملية تتبع مصدرها.
العقارات.. الحلقة الأقدم في القصة
قبل ظهور هذه الملفات الجديدة بسنوات، كانت سوق العقارات في دبي محور عدد كبير من التحقيقات الدولية.
فمنظمة الشفافية الدولية قالت إن سوق العقارات الإماراتي، وخاصة العقارات الفاخرة، يمثل مجالا معرضا لخطر غسل الأموال، مشيرة إلى أن هياكل الملكية المعقدة يمكن أن تستخدم لإخفاء هوية المالك الحقيقي ومصدر الأموال.
كما كشفت تسريبات عقارية سابقة عن امتلاك أشخاص مصنفين سياسيا أو خاضعين للعقوبات وعناصر مرتبطة بجرائم مالية عقارات في دبي.
وفي دراسة لاحقة، قالت منظمة الشفافية الدولية إن تسريبات بيانات العقارات كشفت عن مئات العقارات المرتبطة بشخصيات معرضة سياسيا وأشخاص خاضعين للعقوبات ومجرمين من دول مختلفة، مع استمرار وجود مخاوف بشأن استخدام الشركات المجهولة لإخفاء المالكين الحقيقيين.
من الذهب إلى الشركات الوهمية
ولا يتوقف الجدل عند العقارات.
فملفات سابقة أشارت إلى تدفق الذهب المهرب من مناطق مختلفة في أفريقيا نحو دبي، بينما أظهرت تحقيقات أخرى استخدام شركات عابرة للحدود وكيانات مسجلة في مناطق مختلفة في عمليات تهدف إلى إخفاء المستفيد الحقيقي من الأموال.
وتتحدث إحدى المواد الواردة في المصادر عن قضية جزائرية تعود إلى عام 2014، كشفت تحقيقات قضائية بشأنها عمليات توطين مشبوهة لاستيراد سلع، وتحويل أموال إلى بنوك في دبي باستخدام تصريحات جمركية وفواتير مزورة. ووفقا للملف، بلغت التحويلات محل التحقيق مئات الملايين من الدينارات الجزائرية، بينما اتجه جزء من الأموال نحو شركات إماراتية.
وتوضح القضية كيف يمكن للتجارة الخارجية الوهمية أو المبالغ فيها أن تتحول إلى وسيلة لإخراج الأموال عبر الحدود، عندما تقترن بفواتير مزورة وتصريحات جمركية غير صحيحة.
الإمارات وقائمة مجموعة العمل المالي.. تصحيح مهم
كانت الإمارات قد أُدرجت في فبراير 2022 ضمن قائمة مجموعة العمل المالي للدول الخاضعة للمتابعة المعززة، بعد أن حددت المجموعة عددا من أوجه القصور في منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
لكن الوضع تغير لاحقا.
ففي فبراير 2024، أعلنت مجموعة العمل المالي أن الإمارات حققت تقدما كبيرا في معالجة أوجه القصور التي كانت محددة ضمن خطة العمل، ولذلك لم تعد خاضعة للمتابعة المعززة. وأشارت المجموعة في الوقت نفسه إلى ضرورة مواصلة الإمارات تعزيز منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وبالتالي، فإن وصف الإمارات اليوم بأنها ما زالت على «القائمة الرمادية» سيكون غير دقيق، حتى وإن بقيت ملفات غسل الأموال واستغلال العقارات والشركات محل اهتمام منظمات دولية وجهات إنفاذ القانون.
الجزائر.. قضية قديمة تكشف مسارا مشابها
وتكتسب الملفات الجزائرية أهمية خاصة عند النظر إلى طبيعة المسارات المالية التي ظهرت في بعض القضايا.
ففي القضية المنشورة عام 2018، تحدث التحقيق القضائي عن شركة وهمية استخدمت عمليات استيراد وفواتير وتصريحات جمركية مزورة لتحويل أموال إلى دبي. كما أظهرت التحقيقات، وفقا للملف، وجود أشخاص وشركات في الإمارات مرتبطة بالتحويلات محل التحقيق.
وتكشف هذه القضية، بغض النظر عن نتائجها القضائية النهائية، عن نقطة أساسية في منظومة مكافحة غسل الأموال: الأموال لا تتحرك دائما مباشرة من نشاط إجرامي إلى حساب مصرفي، وإنما يمكن أن تمر عبر التجارة والعقارات والشركات والعملات المشفرة وواجهات تجارية متعددة.
دبي بين المركز المالي والرقابة الدولية
المفارقة الأساسية في هذه القصة أن دبي بنت جزءا كبيرا من جاذبيتها الاقتصادية على الانفتاح وسهولة ممارسة الأعمال واستقطاب رؤوس الأموال الأجنبية.
لكن هذه المزايا نفسها يمكن أن تصبح محل تدقيق عندما تستغلها شبكات إجرامية لإخفاء الأموال أو الأصول.
وفي تقرير سابق، أشارت بلومبرغ إلى أن الإمارات تعرضت لضغوط دولية لتعزيز إجراءات تتبع الأموال غير المشروعة، بينما قالت السلطات الإماراتية إنها اتخذت خطوات شملت إنشاء مكتب تنفيذي لمواجهة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتعزيز التعاون القضائي الدولي، وتطوير آليات تتبع الملكية النهائية للأصول.
كما أشارت المادة نفسها إلى أن الإمارات وقعت عشرات اتفاقيات المساعدة القانونية المتبادلة وتسليم المطلوبين، في إطار جهودها لتعزيز التعاون مع الدول الأخرى.
ما الذي تكشفه الملفات الجديدة؟
لا تعني هذه التحقيقات أن كل الأموال أو الاستثمارات الموجودة في دبي غير مشروعة، ولا أن كل المقيمين أو المستثمرين فيها مرتبطون بالجريمة.
لكن تكرار ظهور الإمارة في ملفات مختلفة، من العقارات والأموال الروسية إلى شبكات المخدرات والعملات المشفرة والشركات العابرة للحدود، يفسر استمرار التدقيق الدولي في قدرة المنظومة المالية والتجارية على معرفة المالك الحقيقي للأصول ومصدر الأموال.
وتشير الأدلة المتاحة إلى أن التحدي لم يعد مرتبطا فقط بإدخال الأموال إلى النظام المالي، بل بقدرة الشبكات الإجرامية الحديثة على دمج أدوات متعددة في العملية نفسها: شركات، عقارات، تجارة دولية، حسابات مصرفية، ذهب وعملات مشفرة.
وبذلك تبدو القضية أكبر من اتهام مدينة أو دولة بأنها «ملاذ لغسل الأموال»؛ فهي تتعلق بالسؤال الأهم: إلى أي مدى تستطيع المراكز المالية العالمية، ومنها دبي، التوفيق بين جذب رؤوس الأموال والانفتاح الاقتصادي من جهة، وتشديد الرقابة على الأموال مجهولة المصدر والأصول المرتبطة بالجريمة المنظمة من جهة أخرى؟
وفي عام 2026، أعادت قضية شبكة كيناهان والتحقيقات الإسبانية والهندية هذا السؤال إلى الواجهة من جديد، رغم خروج الإمارات رسميا من قائمة المتابعة المعززة لمجموعة العمل المالي في 2024.
المصادر في النهاية:
- منظمة الشفافية الدولية: تقارير وتحقيقات حول مخاطر غسل الأموال في القطاع العقاري الإماراتي.
- مجموعة العمل المالي: قرار إخراج الإمارات من قائمة المتابعة المعززة في فبراير 2024.
- منصة بيلينغكات: تحقيقات سجلات إقامة أعضاء شبكة كيناهان في دبي وإلغاء إقامة كريستي كيناهان.
- صحيفة تايمز أوف إنديا: قضية تحويل عائدات مخدرات إلى دبي ثم إلى عملة مشفرة.
- ملف قضائي جزائري منشور سنة 2018 حول تحويلات مالية مشبوهة إلى دبي عبر عمليات استيراد وتصريحات جمركية مزورة.
- بلومبرغ عبر الشرق للأعمال: ملفات أثرياء ومطلوبين واستثمارات وعقارات في دبي.
المحرر شريبط علي



