دولي

غوتيريش يتمسك بوجود أممي في لبنان.. هل يستعد الجنوب لمرحلة ما بعد اليونيفيل؟

عاد مستقبل الوجود الدولي في جنوب لبنان إلى واجهة النقاش السياسي والأمني، بعد دعوة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى الإبقاء على حضور عسكري أممي في البلاد عقب انتهاء مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) نهاية عام 2026. وتكشف هذه الدعوة عن مخاوف متزايدة داخل المنظمة الدولية من تداعيات إنهاء المهمة الأممية في ظل استمرار التوترات على الحدود اللبنانية الإسرائيلية وتعثر الجهود الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار بشكل دائم.

وتأتي توصيات غوتيريش في وقت يشهد فيه جنوب لبنان تصعيدا متواصلا رغم الاتفاقات المعلنة لخفض التوتر، ما يثير تساؤلات حول قدرة الأطراف المحلية والإقليمية على الحفاظ على الاستقرار الأمني في منطقة تعد من أكثر المناطق حساسية في الشرق الأوسط.

الأمم المتحدة تبحث عن بديل لليونيفيل

في تقرير رفعه إلى مجلس الأمن، اقترح غوتيريش ثلاثة خيارات لمستقبل الوجود العسكري الأممي في لبنان، تتراوح بين قوة محدودة تضم نحو ألفي عنصر وقوة أكبر تتجاوز 5500 عسكري. وتهدف هذه القوة إلى مراقبة وقف إطلاق النار، ومساندة الجيش اللبناني، وضمان استمرار الرقابة على الخط الأزرق الفاصل بين لبنان وإسرائيل.

ويعكس هذا المقترح قناعة أممية بأن انتهاء مهمة اليونيفيل لا يعني بالضرورة انتهاء الحاجة إلى وجود دولي على الأرض، بل قد يتطلب الانتقال إلى صيغة جديدة تتلاءم مع التحديات الأمنية المستجدة التي أفرزتها التطورات العسكرية خلال السنوات الأخيرة.

كما شدد التقرير على أن الخيار الذي يتضمن عددا أكبر من العناصر العسكرية يوفر قدرة أفضل على مراقبة الخط الأزرق الممتد على طول نحو 120 كيلومترا، بينما يواجه الخيار الأقل عددا صعوبات في تغطية كامل المنطقة من دون الاعتماد على وسائل تكنولوجية متطورة.

مخاوف من فراغ أمني

ترى الأمم المتحدة أن أي انسحاب كامل للقوات الدولية قد يترك فراغا أمنيا في منطقة لا تزال تشهد احتكاكات متكررة بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله، رغم الاتفاقات المعلنة لوقف إطلاق النار.

وتؤكد المنظمة الدولية أن وجود قوة محايدة يشكل عاملا أساسيا في منع التصعيد وتسهيل قنوات التواصل والتنسيق بين الأطراف، فضلا عن دعم انتشار الجيش اللبناني وتعزيز قدراته في المناطق الحدودية.

وتزداد هذه المخاوف في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، ما يعزز الحاجة إلى آلية رقابة دولية قادرة على توثيق الخروقات والمساهمة في احتواء التوترات قبل تحولها إلى مواجهات واسعة النطاق.

دعم لبناني وتأييد دولي

يحظى المقترح الأممي بدعم رسمي من لبنان، الذي يرى في استمرار الحضور الدولي وسيلة لتعزيز الاستقرار ودعم مؤسسات الدولة، خاصة في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجهها البلاد.

وأكدت السلطات اللبنانية أن التطورات الأخيرة أظهرت الحاجة إلى استمرار المساندة الدولية لمساعدة الدولة على بسط سلطتها على كامل أراضيها، ومواكبة الجهود الرامية إلى تثبيت الهدوء على الحدود الجنوبية.

كما لاقت فكرة الإبقاء على وجود أممي تأييدا من عدد من أعضاء مجلس الأمن، من بينهم الصين وروسيا، اللتان تعتبران أن أي فراغ أمني في جنوب لبنان قد يحمل تداعيات تتجاوز الساحة اللبنانية وتمس استقرار المنطقة بأكملها.

اعتراض أمريكي إسرائيلي

في المقابل، تواصل الولايات المتحدة وإسرائيل الدفاع عن قرار إنهاء مهمة اليونيفيل بصيغتها الحالية، وسط انتقادات متكررة لفعالية بعض عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.

ويأتي هذا الموقف في سياق توجه أمريكي أوسع لإعادة تقييم الإنفاق على البعثات الدولية وتقليص المساهمات المالية المخصصة لها، وهو ما انعكس على النقاش الدائر داخل مجلس الأمن بشأن مستقبل المهمة الأممية في لبنان.

كما ترى إسرائيل أن الترتيبات الحالية لم تنجح في منع حزب الله من تعزيز حضوره العسكري في الجنوب، وهو ما تستخدمه لتبرير المطالبة بإعادة النظر في طبيعة الدور الأممي على الحدود.

بين الاستقرار والتجاذبات الإقليمية

يتجاوز النقاش حول مستقبل اليونيفيل البعد الأمني المباشر، إذ يرتبط أيضا بالتوازنات الإقليمية والدولية المحيطة بلبنان. فجنوب البلاد ظل لعقود ساحة تداخل بين المصالح اللبنانية والإسرائيلية والدولية، ما جعل وجود الأمم المتحدة جزءا من منظومة الردع والاحتواء التي ساهمت في تجنب انفجار مواجهات واسعة في أكثر من محطة.

ومع اقتراب موعد انتهاء مهمة اليونيفيل، يبدو أن المجتمع الدولي يواجه اختبارا جديدا يتعلق بكيفية إدارة مرحلة ما بعد القوة الأممية الحالية، في ظل استمرار التوترات الميدانية وغياب تسوية سياسية شاملة للنزاع على الحدود.

وبينما يدعو غوتيريش إلى الحفاظ على حضور دولي يمنع الانزلاق نحو الفوضى، يبقى القرار النهائي بيد مجلس الأمن، الذي سيجد نفسه أمام معادلة دقيقة تجمع بين ضرورات الأمن الإقليمي وحسابات القوى الكبرى المتنافسة على رسم ملامح المرحلة المقبلة في لبنان.

المصادر

  • فرانس 24، “غوتيريش يدعو إلى إبقاء وجود عسكري أممي في لبنان بعد انتهاء مهمة اليونيفيل”، 2 جوان 2026.
  • وكالة الأنباء الفرنسية (أ ف ب)، 2 جوان 2026.
  • تقرير الأمين العام للأمم المتحدة المقدم إلى مجلس الأمن بشأن مستقبل الوجود الأممي في لبنان.

المحرر شريبط علي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى