
أوراسtv | وكالات
بينما ينشغل قطاع التكنولوجيا بمخاوف مستقبلية من تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف والبشر، تبرز مخاوف أخرى أكثر قربا تتعلق بالاقتصاد الأمريكي نفسه، الذي بات يعتمد بدرجة متزايدة على موجة الإنفاق الضخمة المرتبطة بتطوير الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.
وتأتي هذه المخاوف في وقت تتزايد فيه الخلافات بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعدد من كبار المسؤولين التنفيذيين في شركات الذكاء الاصطناعي بشأن سرعة تطوير هذه التكنولوجيا، بينما تظهر مؤشرات على أن الاقتصاد الأمريكي أصبح أكثر ارتباطا باستثمارات القطاع.
الذكاء الاصطناعي يدعم جزءا كبيرا من النمو
بحسب تقديرات مؤسسة «آي إن جي»، فإن الاستثمارات التكنولوجية التي يهيمن عليها الإنفاق على الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات تمثل نحو ثلث النمو الاقتصادي الأمريكي على أساس سنوي خلال عام 2026.
كما نقل المصدر عن كبير استراتيجيي الأسهم في «غولدمان ساكس» قوله إن استثمارات الذكاء الاصطناعي تقود نحو نصف نمو الأرباح في مؤشر «ستاندرد آند بورز 500».
ورغم اختلاف طرق احتساب هذه التأثيرات، فإن الصورة العامة تشير إلى أن الأموال المتدفقة نحو البنية التحتية للذكاء الاصطناعي أصبحت عاملا مهما في دعم النشاط الاقتصادي، من شركات التكنولوجيا ومراكز البيانات إلى أسواق الأسهم والإنفاق الاستهلاكي.
ويرى مؤيدو الذكاء الاصطناعي أن التكنولوجيا قد تمثل إحدى أهم موجات الابتكار في العصر الحديث، وأن ارتفاع تقييمات الشركات المرتبطة بها يعكس توقعات بمكاسب إنتاجية ونمو اقتصادي مستقبلي.
لكن المشكلة تظهر عندما يصبح الاقتصاد شديد الاعتماد على استمرار هذه الموجة.
ماذا لو توقفت الموسيقى؟
يقول أولُو سونولا، رئيس قسم البحوث الاقتصادية في الولايات المتحدة لدى مؤسسة «فيتش»، إن توقف موجة الاستثمار المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بصورة حادة قد يدفع الاقتصاد الأمريكي إلى مرحلة من الركود أو الانكماش لفترة قد تمتد إلى عام على الأقل.
ولا يقتصر التأثير المحتمل على الشركات العاملة مباشرة في قطاع التكنولوجيا، إذ إن ارتفاع أسعار الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي عزز ثروة شريحة من المستثمرين، وهو ما انعكس بدوره على الإنفاق الاستهلاكي.
وبالتالي، فإن أي هبوط كبير في قيمة هذه الأصول قد يؤدي إلى تقليص ثروة الأسر، ثم تراجع الإنفاق والاستثمار، ما يوسع دائرة التأثير من أسواق المال إلى الاقتصاد الحقيقي.
سيناريو ركود في حال انهيار الأسهم
اختبرت «فيتش» مؤخرا سيناريو افتراضيا لهبوط حاد في الأسهم الأمريكية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، حيث افترضت تراجع أسعار الأسهم بنحو 35 بالمائة خلال ستة أشهر، وهي نسبة تقارب متوسط الانخفاض الذي شهدته الأسواق خلال أزمات مالية سابقة.
ووفقا لهذا السيناريو، يمكن أن يدخل الاقتصاد الأمريكي في حالة ركود، مع انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنحو 1.5 بالمائة خلال العام المقبل.
لكن المؤسسة شددت في الوقت نفسه على أن هذا السيناريو ليس توقعها الأساسي، ولا توجد حاليا مؤشرات محددة تؤكد أن موجة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي على وشك الانتهاء.
منظومة مترابطة ومعرضة للصدمات
يرى جون سيدونوف، أستاذ التمويل في جامعة فيلانوفا، أن صناعة الذكاء الاصطناعي خلقت منظومة اقتصادية مترابطة تعتمد فيها مجموعة كبيرة من الشركات على بعضها البعض.
ويعني ذلك أن حدوث خلل في إحدى حلقات السلسلة قد ينتقل إلى شركات وقطاعات أخرى، خصوصا مع ضخ استثمارات ضخمة في مراكز البيانات والبنية التحتية والرقائق والطاقة والخدمات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وتزداد حساسية هذه المنظومة في ظل ضغوط أخرى تواجه الاقتصاد الأمريكي، من بينها ارتفاع مستويات الدين الحكومي والإنفاق بالعجز ومخاوف التضخم، وهي عوامل قد تدفع أسعار الفائدة إلى الارتفاع.
كما يضيف استمرار الحرب المرتبطة بإيران ومخاطر أسواق الطاقة، إلى جانب اعتماد شركات على الاقتراض لتمويل التوسع في مجال الذكاء الاصطناعي، مزيدا من الضغوط على البيئة الاقتصادية.
مخاوف من فقاعة.. وتفاؤل باستمرار النمو
ويحذر سونولا من أن مخاطر تضخم أسعار الأسهم تمثل عاملا مهما بالنسبة للاقتصاد العالمي، خصوصا بعد سلسلة من الصدمات المرتبطة بالتعريفات التجارية والحروب والديون.
في المقابل، لا يتفق جميع الاقتصاديين مع السيناريو المتشائم.
وترى جيسيكا واختر، أستاذة التمويل في جامعة بنسلفانيا، أن ما يحدث في سوق الذكاء الاصطناعي استثنائي بالفعل ويبرر القلق، لكنها لا تتوقع بالضرورة تحوله إلى أزمة شبيهة بأزمة عام 2008.
وتعتقد واختر أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يتحول إلى قوة داعمة للاستقرار الاقتصادي، من خلال زيادة الإنتاجية والمساهمة في خلق وظائف جديدة وتعزيز النمو، مؤكدة أنها تتبنى رؤية متفائلة بشأن مستقبل التكنولوجيا.
اقتصاد أمام اختبار مزدوج
تكشف هذه المعطيات عن مفارقة واضحة: التكنولوجيا التي يخشى البعض أن تهدد الوظائف مستقبلا أصبحت في الوقت نفسه أحد المحركات الرئيسية للاستثمار والنمو الاقتصادي في الولايات المتحدة.
وهذا يجعل مستقبل الاقتصاد الأمريكي مرتبطا جزئيا بقدرة شركات الذكاء الاصطناعي على مواصلة الإنفاق، وتحويل الاستثمارات الهائلة في مراكز البيانات والبنية التحتية إلى مكاسب إنتاجية وأرباح حقيقية.
فإذا استمرت العوائد والنمو، قد تتحول الاستثمارات الحالية إلى قاعدة لمرحلة جديدة من التوسع الاقتصادي. أما إذا تباطأت الأرباح أو فقد المستثمرون الثقة في التقييمات المرتفعة، فقد تنتقل آثار التصحيح من وول ستريت إلى الشركات والأسر والاستهلاك.
وبذلك، لا يتمثل السؤال فقط في ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغير سوق العمل أو طبيعة الحياة في المستقبل، بل أيضا في مدى قدرة الاقتصاد الأمريكي على تحمل الاعتماد المتزايد على هذه التكنولوجيا في الحاضر.
المصادر
- شبكة «سي إن إن» – تحليل أليسون مورو، 18 سبتمبر 2026.
- مؤسسة «فيتش» – سيناريو تأثير هبوط أسعار الأسهم على الاقتصاد الأمريكي.
- مؤسسة «آي إن جي» – تقديرات مساهمة استثمارات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات في النمو.
- «غولدمان ساكس» – تقديرات تأثير استثمارات الذكاء الاصطناعي على نمو أرباح الشركات.
المحرر شريبط علي



