
تتجه الأزمة الأمريكية الإيرانية نحو مرحلة أكثر تعقيدا، في ظل استمرار المفاوضات بوساطة قطرية، دون التوصل إلى اتفاق نهائي ينهي المواجهة المستمرة منذ أشهر، بالتزامن مع تصاعد التهديدات الأمريكية والإسرائيلية باستئناف العمليات العسكرية ضد طهران.
وفي اليوم الـ247 من اندلاع الحرب، وبعد مرور 138 يوما على توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، تتداخل المؤشرات الدبلوماسية والعسكرية والسياسية، بما يعكس صعوبة الوصول إلى تسوية شاملة، رغم الحديث عن تقدم في الاتصالات الجارية.
مفاوضات متقدمة دون اتفاق نهائي
أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن المفاوضات مع الولايات المتحدة تشهد تقدما، لكنها لم تصل بعد إلى نتيجة نهائية، موضحا أن المشاورات مستمرة مع الوسيط القطري، وأن حسم المسار التفاوضي يبقى مرتبطا بالرد الأمريكي على المقترحات المطروحة.
وفي السياق ذاته، أفاد مصدر دبلوماسي لموقع أكسيوس بمغادرة الوفد الإيراني العاصمة القطرية الدوحة، بعد جولة من المحادثات وصفها بأنها حققت تقدما إيجابيا، مع استمرار جهود الوسطاء لتقريب وجهات النظر ومعالجة نقاط الخلاف المتبقية.
وتشير هذه التطورات إلى أن المفاوضات لم تصل إلى طريق مسدود، لكنها لا تزال تصطدم بتباينات جوهرية بشأن طبيعة التفاهمات وآليات تنفيذها، خصوصا ما يتعلق بالملف النووي والضمانات الأمنية والعقوبات.
وتبرز مسألة التدرج في تنفيذ الالتزامات باعتبارها إحدى نقاط الخلاف الأساسية، إذ نقلت تصريحات أكاديمية إيرانية أن طهران تولي أهمية أكبر لتسلسل تنفيذ التفاهمات وضماناتها، مقارنة بالجدل حول تقليص المدة الزمنية لتنفيذها.
ترمب بين إعلان النصر والتهديد باستئناف الحرب
في المقابل، يواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إطلاق تصريحات متباينة تجمع بين الحديث عن قرب انتهاء الحرب والتلويح بإمكانية العودة إلى الخيار العسكري.
وقال ترمب إن الحرب على إيران ستنتهي قريبا جدا، معتبرا أن الولايات المتحدة حققت أهدافا عسكرية مهمة، ومؤكدا أن القاذفات الأمريكية من طراز «بي 2» استُخدمت لاستهداف القدرات النووية الإيرانية.
كما اعتبر أن ارتفاع أسعار النفط يمثل ثمنا محدودا مقارنة بما وصفه بضمان أمن الولايات المتحدة والعالم، مجددا تأكيده أن واشنطن لا يمكنها السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي.
لكن الرئيس الأمريكي أقر، في تصريحات إعلامية، بأن هناك ملفات لا تزال عالقة، كما قال إنه يحاول العثور على شخصية يمكن التفاوض معها داخل إيران، مضيفا أن لا أحد يرغب في تولي الرئاسة.
وتكشف هذه التصريحات عن مفارقة واضحة في الخطاب الأمريكي؛ فبينما يتحدث ترمب عن اقتراب نهاية الحرب وتحقيق الأهداف، لا تزال واشنطن تبحث عن ترتيبات سياسية تضمن معالجة الملفات التي لم تحسمها المواجهة العسكرية.
مأزق سياسي داخل البيت الأبيض
على المستوى الداخلي، كشفت مجلة ذي أتلانتيك، نقلا عن مستشارين ومقربين من ترمب، أن الرئيس الأمريكي بدأ يستفسر عن أداء وزير الحرب بيت هيغسيث ورئيس هيئة الأركان المشتركة، وسط تزايد الانتقادات المتعلقة بإدارة الحرب وتقدير نتائجها.
وبحسب المجلة، فإن ترمب بات يشعر بالاستياء من عدم وصول رسائله السياسية إلى الرأي العام بالتأثير الذي كان يتوقعه، كما بدأ ينظر إلى الحرب مع إيران باعتبارها أحد العوامل التي ساهمت في تعقيد وضعه السياسي، خصوصا مع ارتفاع أسعار الطاقة والسلع.
وتحدثت المصادر عن بحث الرئيس الأمريكي عن مسؤولين يمكن تحميلهم جزءا من مسؤولية التعثر، خاصة أولئك الذين قدموا له تقديرات بأن المواجهة ستكون سريعة وحاسمة.
غير أن وزارة الحرب الأمريكية رفضت هذه الاتهامات، مؤكدة أن هيغسيث يضع أمام الرئيس وكبار مسؤولي البيت الأبيض الصورة العملياتية الكاملة، ووصفت الادعاءات المتعلقة بإخفاء حقيقة الوضع الميداني بأنها غير صحيحة.
وتكتسب هذه التطورات أهمية إضافية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، حيث أصبحت كلفة الحرب الاقتصادية والسياسية عاملا مؤثرا في حسابات الإدارة الأمريكية.
سيناريوهات عسكرية مفتوحة وتصعيد محتمل
في قراءة لمستقبل المواجهة، نقلت صحيفة فايننشال تايمز عن خبراء عسكريين ودفاعيين تحذيرات من أن أي حملة أمريكية جديدة ضد إيران لن تكون سهلة، وقد تفتح الباب أمام تصعيد إقليمي يصعب احتواؤه.
وتستند هذه المخاوف إلى أن الحرب السابقة لم تحقق جميع الأهداف التي أعلنتها واشنطن وتل أبيب؛ فالنظام الإيراني لا يزال قائما، ولم تقدم طهران تعهدات نهائية بشأن برنامجها النووي، كما تحتفظ بقدرات صاروخية وطائرات مسيرة قادرة على تهديد المصالح والقوات الأمريكية وحلفائها في المنطقة.
ونقلت ذي أتلانتيك أن الخيارات العسكرية المطروحة أمام ترمب تتراوح بين ضربات محدودة تستمر ساعات، وعمليات تمتد أياما أو أسابيع، في وقت يأمل فيه بعض المقربين منه أن يؤدي التهديد باستخدام القوة إلى دفع إيران للعودة إلى طاولة المفاوضات.
وفي المقابل، نقلت صحيفة يسرائيل هيوم عن مسؤول رفيع أن البيت الأبيض يقترب من اتخاذ قرار بشأن احتمال مهاجمة إيران، رغم استمرار التردد بسبب المساعي الدبلوماسية، مشيرا إلى أن الهوة بين الطرفين لا تزال واسعة.
كما جاءت المكالمة الهاتفية بين ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والتي وصفها الرئيس الأمريكي بالإيجابية، لتؤكد استمرار التنسيق بين الجانبين بشأن الملف الإيراني، في توقيت تتزايد فيه المؤشرات على احتمال تجدد المواجهة.
مضيق هرمز.. الجبهة الأكثر حساسية
بالتوازي مع الحراك السياسي والعسكري، لا يزال مضيق هرمز يمثل إحدى أكثر نقاط الأزمة حساسية، بالنظر إلى أهميته الاستراتيجية في حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة.
وفي تطور ميداني جديد، أعلنت بحرية الحرس الثوري الإيراني وقوع انفجارات في ناقلتي نفط قالت إنهما اصطدمتا بألغام أثناء عبورهما من مسار غير مصرح به، وهو إعلان يسلط الضوء مجددا على المخاطر الأمنية التي تحيط بالملاحة في المضيق.
ويعني استمرار التوتر في هذا الممر البحري أن أي انهيار للمفاوضات قد لا يقتصر تأثيره على الولايات المتحدة وإيران، بل قد يمتد إلى أسواق النفط والاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد، خصوصا إذا عادت المواجهة العسكرية إلى استهداف حركة الملاحة أو المنشآت الحيوية.
بين التسوية والمواجهة.. ماذا يريد ترمب؟
تبدو واشنطن اليوم أمام معادلة معقدة؛ فهي تريد اتفاقا يحد من القدرات النووية الإيرانية ويضمن مصالحها الأمنية، لكنها لا ترغب في الانزلاق إلى حرب طويلة جديدة قد ترفع فاتورتها الاقتصادية وتزيد الضغوط السياسية على الإدارة الأمريكية.
أما طهران، فتسعى إلى تثبيت مكاسبها التفاوضية والحصول على ضمانات تحول دون تكرار المواجهة، مع رفض تقديم تنازلات جوهرية تحت التهديد العسكري.
ومن هنا، فإن الحديث عن تقدم المفاوضات لا يعني بالضرورة اقتراب توقيع اتفاق، كما أن التهديدات العسكرية لا تعني أن قرار الحرب اتخذ بالفعل.
والأرجح أن الطرفين يستخدمان الدبلوماسية والضغط العسكري لتحسين موقعيهما قبل أي تسوية محتملة. غير أن استمرار الخلافات، وتداخل الحسابات الأمريكية والإسرائيلية والإيرانية، إلى جانب حساسية ملف مضيق هرمز، يجعل المنطقة أمام مرحلة شديدة الهشاشة.
ويبقى السؤال الأساسي: هل ينجح الوسطاء في تحويل التقدم الدبلوماسي إلى اتفاق قابل للتنفيذ، أم أن تعثر المفاوضات سيدفع ترمب إلى استئناف الضربات العسكرية، بما قد يفتح فصلا جديدا من المواجهة يصعب تحديد حدوده؟
المصادر:
- الجزيرة: متابعة تطورات المفاوضات الأمريكية الإيرانية، 2 نوفمبر 2026.
- مجلة ذي أتلانتيك: الخلافات داخل إدارة ترمب بشأن الحرب.
- صحيفة فايننشال تايمز: سيناريوهات تجدد الحرب الأمريكية الإيرانية.
- موقع أكسيوس: تطورات محادثات الدوحة.
- صحيفة يسرائيل هيوم: الموقف الأمريكي من احتمال مهاجمة إيران.
- تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والرئيس الأمريكي دونالد ترمب.
المحرر شريبط علي



