
عادت الجبهة اللبنانية إلى واجهة التوتر الإقليمي مع مواصلة إسرائيل ضرباتها الجوية على جنوب لبنان، رغم الدعوات الأمريكية المتزايدة لاحتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة أوسع. وبينما يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى فرض إيقاع تهدئة ينسجم مع حساباته الإقليمية الأوسع، تبدو الوقائع الميدانية أكثر تعقيدا، في ظل تمسك تل أبيب بمنطق الضغط العسكري واستمرار حزب الله في الإبقاء على جبهة الجنوب مفتوحة ضمن قواعد اشتباك قابلة للاشتعال في أي لحظة.
وأسفرت الغارات الإسرائيلية الثلاثاء عن مقتل ثلاثة أشخاص في جنوب لبنان، بينهم أب وابناه، إثر استهداف سيارة مدنية بطائرة مسيّرة على طريق النبطية–الخردلي، في حادثة أعادت إلى الواجهة الكلفة الإنسانية المتصاعدة للحرب الدائرة على الحدود اللبنانية الإسرائيلية. كما دفعت التطورات الجامعة اللبنانية إلى تأجيل امتحانات بعض فروعها، في مؤشر جديد على اتساع تأثير العمليات العسكرية إلى تفاصيل الحياة اليومية للبنانيين.
واشنطن تضغط.. وتل أبيب تواصل
تأتي الضربات الأخيرة في وقت تحاول فيه الإدارة الأمريكية دفع الأطراف نحو خفض التصعيد، خشية تحوّل الساحة اللبنانية إلى بؤرة مواجهة واسعة قد تعقّد المشهد الإقليمي المرتبط أصلا بالحرب الدائرة منذ أشهر. وتشير المعطيات الواردة من واشنطن إلى أن ترامب دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى تجنب استهداف بيروت، خصوصا الضاحية الجنوبية، لتفادي فتح مرحلة جديدة من المواجهة يصعب احتواؤها.
غير أن استمرار الغارات الإسرائيلية يكشف، وفق مراقبين، عن فجوة بين الرغبة الأمريكية في إدارة التوتر ضمن سقف مضبوط، وبين المقاربة الإسرائيلية التي ترى في الضغط العسكري وسيلة لفرض معادلة ردع جديدة على الحدود الشمالية.
وفي هذا السياق، حملت تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس رسائل واضحة، بعدما ربط وقف استهداف الضاحية الجنوبية بتوقف الهجمات ضد التجمعات الإسرائيلية في الشمال، في معادلة تقوم على توسيع نطاق الرد كلما تصاعدت الضربات العابرة للحدود.
لبنان بين الدبلوماسية وضغط الميدان
على الجانب اللبناني، تبدو الحكومة أمام هامش مناورة محدود. فبينما تتحدث بيروت عن جهود لتوسيع ترتيبات وقف إطلاق النار عبر قنوات تفاوضية انطلقت في واشنطن، يستمر الضغط العسكري الإسرائيلي على الأرض، ما يضع الدولة اللبنانية أمام تحدي الجمع بين المسار الدبلوماسي ومتطلبات احتواء التداعيات الأمنية والإنسانية.
كما أن انخراط مسؤولين لبنانيين في لقاءات مباشرة برعاية أمريكية يسلط الضوء على تحولات في إدارة الملف الحدودي، رغم استمرار اعتراض حزب الله على بعض المقاربات المرتبطة بالتفاوض غير المباشر مع إسرائيل.
وفي المقابل، يواصل الحزب اعتماد تكتيك عسكري محسوب نسبيا، إذ أعلن تنفيذ عمليات ضد قوات إسرائيلية في الجنوب دون توسيع الهجمات الصاروخية بشكل كبير، وهو ما يعكس، بحسب تقديرات سياسية، محاولة الحفاظ على قدرة الردع دون الانجرار الفوري إلى حرب شاملة.
البعد الإقليمي.. ترابط الجبهات
لا يمكن فصل التصعيد في جنوب لبنان عن السياق الإقليمي الأوسع. فإيران، الداعم الرئيسي لحزب الله، تربط بدورها أي ترتيبات تهدئة في لبنان بمسار التفاهمات الأوسع مع الولايات المتحدة حول الحرب الدائرة في المنطقة.
هذا الربط يعكس طبيعة التشابك بين الساحات الإقليمية، حيث لم تعد الجبهة اللبنانية ملفا منفصلا، بل جزءا من شبكة أزمات متداخلة تشمل الحسابات الأمريكية والإسرائيلية والإيرانية، ما يجعل أي تهدئة موضعية رهينة تفاهمات سياسية أكبر لم تتبلور شروطها بعد.
وبين ضغوط البيت الأبيض، وإصرار إسرائيل على مواصلة عملياتها، وحسابات حزب الله وإيران، يبقى جنوب لبنان ساحة اختبار مفتوحة لحدود الردع وحدود الدبلوماسية في آن واحد.
المصادر:
– فرانس24، 02 جوان/يونيو 2026.
– رويترز، 02 جوان/يونيو 2026.



