
تتجه العلاقات بين واشنطن وباريس إلى مرحلة جديدة من التوتر، بعدما كشفت مصادر مطلعة أن الإدارة الأمريكية تدرس تأجيل أو حتى رفض تعيين المرشح الذي اختاره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لشغل منصب السفير الفرنسي المقبل لدى الولايات المتحدة.
ونقلت وكالة رويترز عن أربعة مصادر أن القرار لم يُحسم بعد، غير أن انتقادات فرنسية علنية لسجل الولايات المتحدة في مجال حقوق الإنسان أثارت غضب عدد من كبار المسؤولين في إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.
وتأتي هذه الأزمة الدبلوماسية في وقت تشهد فيه العلاقات بين الحليفين خلافات متزايدة بشأن عدد من الملفات، من بينها الرسوم الجمركية والحرب في إيران، ما يجعل قضية السفير الجديد مؤشراً إضافياً على اتساع مساحة الخلاف بين باريس وواشنطن.
انتقادات فرنسية أغضبت واشنطن
بدأت الأزمة بعد منشور نشرته بعثة فرنسا لدى الأمم المتحدة في جنيف على منصة إكس، انتقدت فيه موقف الولايات المتحدة من تمديد ولاية مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك.
وكانت واشنطن قد انضمت إلى روسيا وكوريا الشمالية وسبع دول أخرى في التصويت ضد مقترح تمديد ولاية تورك أربع سنوات إضافية.
ووصفت البعثة الفرنسية الولايات المتحدة بأنها كانت في السابق «منارة لحقوق الإنسان»، قبل أن تضيف أن العالم «لم يعد يصغي إليها».
وبحسب أحد المصادر، فإن المنشور لم يكن مبادرة فردية من موظف مبتدئ، بل خضع للمراجعة وأُقر عبر القنوات الرسمية الفرنسية، ما يمنح التصريح ثقلاً أكبر في حسابات واشنطن.
غضب أمريكي ومخاوف من تصعيد دبلوماسي
مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية عبّر عن استياء بلاده من التصريحات الفرنسية، قائلاً إن واشنطن تشعر «بخيبة أمل كبيرة» إزاء ما وصفه بالخطاب «غير المسؤول» و«غير المحترم» الصادر عن الجانب الفرنسي.
وبينما أكدت مصادر أن الانتقادات الفرنسية أثارت غضباً داخل الإدارة الأمريكية، أشار مصدران آخران إلى أن مسؤولين في واشنطن ما زالوا يأملون احتواء الخلاف ومنع تحوله إلى أزمة أوسع مع باريس.
لكن مجرد دراسة تأجيل تعيين السفير أو رفضه تحمل دلالات سياسية كبيرة، إذ إن استخدام الملف الدبلوماسي للضغط على حليف بحجم فرنسا سيكون خطوة غير اعتيادية وقد يفتح الباب أمام مزيد من التوتر بين البلدين.
مرشح ماكرون أمام عراقيل واشنطن
وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد قدم الأوراق المطلوبة لتعيين أوريليان لو شوفالييه سفيراً جديداً لفرنسا لدى الولايات المتحدة.
ويشغل لو شوفالييه حالياً منصب مدير مكتب وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، كما سبق له العمل مساعداً في قصر الإليزيه.
وكانت باريس تأمل، وفق أحد المصادر، أن يتولى مهامه في واشنطن بحلول سبتمبر المقبل، إلا أن مسار التعيين بات مهدداً بالتأخير في ظل الخلاف الأخير.
خلاف يتجاوز ملف حقوق الإنسان
ولا يبدو أن أزمة السفير منفصلة عن سلسلة من الخلافات التي بدأت تتراكم بين باريس وواشنطن.
فإلى جانب ملف حقوق الإنسان، تختلف الدولتان بشأن الرسوم الجمركية، كما تباينت مواقفهما إزاء الحرب في إيران، في وقت تحاول فيه كل من باريس وواشنطن الحفاظ على قنوات التعاون بشأن الملفات الدولية الكبرى.
وازداد التوتر حدة يوم الاثنين، عندما انسحب الوفد الأمريكي من قاعة مجلس الأمن الدولي أثناء كلمة فرنسا بشأن أوكرانيا، ووجه انتقادات إلى الموقف الفرنسي، واصفاً إياه بأنه «استعراض زائف».
وتكشف هذه الواقعة أن الخلاف لم يعد محصوراً في تصريحات متبادلة، بل بدأ ينعكس على السلوك الدبلوماسي المباشر بين البلدين داخل المؤسسات الدولية.
باريس: الخلاف لا يهدد التحالف
في المقابل، حاولت باريس تخفيف وقع الأزمة، مؤكدة أن الاختلاف بشأن التصويت على تمديد ولاية مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان لا يمثل تهديداً للعلاقات الفرنسية الأمريكية.
وقال مسؤول دبلوماسي فرنسي إن دعم باريس لتجديد ولاية فولكر تورك «لا يعوق إجراء حوار وثيق مع الولايات المتحدة»، مشدداً على أن الاختلاف في الرأي بشأن تصويت معين لا يشكك في جودة العلاقات بين البلدين أو قدرتهما على التعاون.
غير أن المسار الذي ستتخذه قضية السفير الفرنسي قد يكشف خلال الأسابيع المقبلة ما إذا كانت الأزمة الحالية مجرد خلاف دبلوماسي عابر، أم أنها تعكس تحولاً أعمق في طبيعة العلاقة بين باريس وواشنطن.
وفي حال قررت الإدارة الأمريكية فعلاً تأجيل المرشح الفرنسي أو رفضه، فقد تتحول قضية التعيين إلى ورقة ضغط سياسية جديدة، وتزيد من صعوبة إدارة الخلافات بين حليفين تجمعهما شراكة تاريخية، لكنهما يختلفان بصورة متزايدة حول عدد من القضايا الدولية.
المصادر
- وكالة رويترز، نقلاً عن أربعة مصادر مطلعة على مسار تعيين السفير الفرنسي.
- فرانس24، تقرير حول دراسة واشنطن تأجيل أو رفض مرشح ماكرون لمنصب السفير.
- بعثة فرنسا لدى الأمم المتحدة في جنيف.
- وزارة الخارجية الأمريكية.
- تصريحات مسؤول دبلوماسي فرنسي بشأن العلاقات مع واشنطن.
المحرر شريبط علي



