
روسيا
يعود شبح ما يعرف في روسيا بـ«أغسطس الأسود» إلى الواجهة مجددًا، في وقت تواجه فيه موسكو صيفًا مثقلًا بالتحديات العسكرية والاقتصادية والاجتماعية، بينما يسعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى إظهار أن الوضع تحت السيطرة، رغم تنامي مؤشرات الأزمة داخل البلاد.
ويرتبط مصطلح «أغسطس الأسود» في الذاكرة الروسية بسلسلة من الأزمات والمنعطفات التاريخية التي وقعت خلال هذا الشهر. ففي أغسطس 1991، قاد متشددون شيوعيون محاولة انقلاب فاشلة ضد الزعيم السوفييتي ميخائيل غورباتشوف، لتتسارع بعدها الأحداث التي انتهت بانهيار الاتحاد السوفييتي.
وفي أغسطس 1998، تعرضت روسيا لأزمة مالية حادة أدت إلى التخلف عن سداد الديون الداخلية وانهيار الروبل. وبعد عام واحد فقط، اندلع تمرد في داغستان، في حدث مهّد لاندلاع الحرب الشيشانية الثانية، التي شكلت إحدى المحطات التي دفعت بوتين، الضابط السابق في جهاز الاستخبارات السوفييتي، إلى صدارة المشهد السياسي الروسي.
حتى بعد وصوله إلى السلطة، لم يكن بوتين بمنأى عن أزمات أغسطس. ففي أغسطس 2000، غرقت الغواصة النووية «كورسك» وعلى متنها 118 بحارًا، في واحدة من أكثر الكوارث التي طبعت السنوات الأولى من حكمه. وفي أغسطس 2008، دخلت روسيا في حرب مع جورجيا، لتقدم موسكو آنذاك صورة أكثر صدامية في سياستها الخارجية.
صيف صعب في روسيا
ويأتي أغسطس الحالي في ظل ظروف لا تبدو أقل تعقيدًا بالنسبة إلى الكرملين.
فالتقدم الروسي على جبهات القتال في أوكرانيا لا يزال محدودًا وفق التقييم الذي يستند إليه تحليل «سي إن إن»، في حين باتت المدن والمنشآت داخل الأراضي الروسية أكثر عرضة للهجمات الأوكرانية بالطائرات المسيّرة، بما في ذلك مصافي النفط والمستودعات ومراكز الخدمات اللوجستية.
وتزامن ذلك مع أزمة في إمدادات الوقود، ظهرت آثارها في طوابير طويلة أمام محطات البنزين، إلى جانب ارتفاع الأسعار وتراجع قيمة الروبل، فضلًا عن مخاوف من موجة تعبئة عسكرية جديدة.
وتعكس هذه التطورات ضغوطًا متزايدة على الحياة اليومية للروس، بعدما انتقلت تداعيات الحرب من ساحات القتال إلى الاقتصاد والأسواق وقطاع الطاقة.
ويرى المعلق الروسي المنفي إيليا فارلاموف أن الروس باتوا يستقبلون أغسطس بقدر متزايد من القلق، خصوصًا في ظل ما وصفه بأزمة حقيقية تشمل الوقود وارتفاع الأسعار وتراجع الروبل واقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
كما أشار إلى تحذيرات أطلقها اقتصادي روسي بارز بشأن خطر تحول الضغوط الاقتصادية إلى أزمة اجتماعية، معتبرًا أن موسكو تخسر جزءًا من قدرتها على المنافسة التكنولوجية والاقتصادية عالميًا، وأن حرب استنزاف طويلة ضد أوكرانيا المدعومة من الغرب قد تكون مكلفة للغاية بالنسبة إلى روسيا.
بوتين يقلل من حجم الخسائر
في المقابل، يحافظ بوتين على لهجته المعتادة التي تقوم على التقليل من خطورة الأضرار وإظهار قدرة الدولة الروسية على تجاوزها.
وخلال حديثه عن مشاريع البنية التحتية والتنمية، أقر الرئيس الروسي بأن الهجمات الأوكرانية على منشآت لوجستية ومستودعات تابعة لشركات التجارة الإلكترونية ألحقت أضرارًا، لكنه رفض اعتبارها تهديدًا استراتيجيًا للاقتصاد الروسي.
وأكد أن هذه المنشآت ستتم إعادة بنائها بدعم من الحكومة، في رسالة تهدف إلى طمأنة الداخل الروسي بأن الهجمات الأوكرانية، رغم تأثيرها، لن تؤدي إلى شلل الاقتصاد أو تعطيل عمل الدولة.
غير أن المشكلة بالنسبة إلى الكرملين لا تكمن فقط في الأضرار المادية، بل في تحول الحرب تدريجيًا إلى عبء محسوس بالنسبة إلى المواطن الروسي، سواء من خلال أسعار الوقود أو التضخم أو اضطراب الإمدادات أو المخاوف المرتبطة بالتعبئة العسكرية.
ضغط داخلي في روسيا وأوكرانيا
ولا تقتصر الاضطرابات السياسية على موسكو. فأوكرانيا تواجه بدورها تحديات داخلية، في وقت دعا فيه وزير الدفاع المقال حديثًا ميخائيل فيدوروف إلى إجراء انتخابات خلال فترة الحرب، في خطوة قد تشكل تحديًا سياسيًا جديدًا للرئيس فولوديمير زيلينسكي.
وتستغل موسكو منذ فترة مسألة شرعية القيادة الأوكرانية، خصوصًا أن ولاية زيلينسكي الرئاسية التي كان يفترض أن تنتهي في 2024 لم تشهد انتخابات جديدة بسبب الأحكام العرفية المفروضة عقب الغزو الروسي الشامل.
لكن المفارقة التي يبرزها التحليل تتمثل في أن الأزمة السياسية في أوكرانيا تجري وسط وجود مظاهر احتجاج وتغييرات حكومية ونقاش عام، بينما تعرضت المعارضة السياسية داخل روسيا لتضييق شديد خلال السنوات الماضية.
فقد قضت محكمة روسية مؤخرًا بسجن المعارض ليف شلوسبرغ لمدة 11 عامًا على خلفية مواقفه المعارضة للحرب، كما منعت المحكمة العليا الروسية حزبه «يابلوكو» من المشاركة في الانتخابات البرلمانية المقبلة.
«أغسطس الأسود».. صدفة تاريخية أم مؤشر أزمة؟
وبينما تحاول موسكو تقديم صورة عن الاستقرار، فإن تراكم الأزمات يجعل الحديث عن «أغسطس الأسود» يتجاوز الخرافة أو المصادفة التاريخية.
فروسيا تواجه حاليًا مزيجًا من ضغوط عسكرية واقتصادية واجتماعية، في وقت أصبحت فيه تداعيات الحرب أكثر حضورًا داخل المدن الروسية وفي حياة المواطنين اليومية.
ورغم أن الأزمات الحالية لا تعني بالضرورة اقتراب روسيا من انهيار سياسي أو اقتصادي، فإن استمرار الحرب واستنزاف الموارد، إلى جانب الضغوط على سوق الطاقة والعملة والاقتصاد، يضع الكرملين أمام اختبار طويل الأمد.
وبينما يصر بوتين على أن الأضرار قابلة للاحتواء وأن الدولة قادرة على إعادة بناء ما تدمره الهجمات، تطرح التطورات سؤالًا أكثر أهمية: هل تستطيع موسكو الاستمرار في إخفاء الكلفة الحقيقية للحرب عن الداخل الروسي، أم أن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية ستفرض نفسها تدريجيًا على المشهد السياسي؟
ففي روسيا، قد يكون «أغسطس الأسود» مجرد مصادفة تاريخية، لكن أغسطس 2026 يبدو، على الأقل، شهرًا يكشف حجم المشكلات التي تراكمت خلف واجهة الاستقرار التي يحرص الكرملين على إبرازها.
المصادر
سي إن إن – تحليل ناثان هودج حول «أغسطس الأسود» والأزمات الداخلية في روسيا.
تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن أضرار الهجمات الأوكرانية على المنشآت اللوجستية.
تقارير إعلامية روسية حول أزمة الوقود والضغوط الاقتصادية.
تصريحات المعلق الروسي إيليا فارلاموف بشأن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في روسيا.
تقارير حول محاكمة المعارض الروسي ليف شلوسبرغ ومنع حزب «يابلوكو» من خوض الانتخابات.
المحرر شريبط علي



