أخبار

مالحة.. مصممة جزائرية بفرنسا تعيد إحياء التراث القبائلي بلمسة عصرية عبر علامة «ملالي»

في حوارها مع أوراس تي في، تروي المصممة والحرفية الجزائرية مالحة، المقيمة بفرنسا ومؤسسة علامة «ملالي»، تفاصيل رحلتها في عالم تصميم المجوهرات والإكسسوارات المستوحاة من التراث الجزائري والقبائلي، وكيف تحوّل مشروعها من فكرة وُلدت في ظروف إنسانية صعبة إلى علامة تحمل رسالة ثقافية وإنسانية، تجمع بين الإبداع والوفاء للذاكرة العائلية والاعتزاز بالهوية الجزائرية.

أوراس تي في: بداية، نرحب بكِ في أوراس تي في، ونشكرك على قبول الدعوة.

مالحة: مرحباً بكم، وشكراً جزيلاً على هذه الدعوة وإتاحة الفرصة لي للحديث عن تجربتي ومشروعي.

أوراس تي في: أنتِ حرفية ومصممة متخصصة في الحلي والإكسسوارات المستوحاة من التراث القبائلي، وهو موروث جزائري عريق استطاع الصمود أمام تحولات الزمن. حدثينا عن علامة «ملالي» وقصة تأسيسها.

مالحة: أنا مالحة، مؤسسة علامة «ملالي»، المتخصصة في تصميم المجوهرات والمنسوجات والإكسسوارات التي ترافق المرأة في حياتها اليومية ومناسباتها المختلفة.

يحمل اسم «ملالي» معنى شخصياً عميقاً بالنسبة إليّ، فهو يجمع بين اسمي مالحة واسم والدي علي، رحمه الله. وقد أسست هذه العلامة تخليداً لذكراه، حتى يظل حاضراً في حياتي من خلال إبداعاتي. فرحيله ترك أثراً عميقاً في نفسي، لكنني ما زلت أشعر بدعمه وقوته، وكأنه إلى جانبي يشجعني على مواصلة الطريق.

انطلقت العلامة في أغسطس 2024، بعد أربعة أشهر فقط من وفاة والدي، وفي مرحلة صعبة كنت أشعر خلالها بالضياع، خاصة أنني لم أكن أجد عملاً. لم أكن أملك سوى 80 يورو، اشتريت بها بعض المواد الأولية وبدأت في صناعة أولى أساوري.

كانت البداية متواضعة جداً، حتى إنني لم أكن أملك أكياساً مناسبة لتقديم منتجاتي، فاستعملت أكياساً صغيرة احتفظت بها من أحد الأعراس.

أما أول زبون وضع ثقته فيّ، فقد كانت طلبيته مصدر سعادة كبيرة بالنسبة إليّ، رغم أنني كنت أبيع أساوري بأسعار منخفضة لا تغطي حتى تكلفتها الحقيقية. واتفقنا على تسليمها يداً بيد في باريس، فوضعت القطع في أكياسها الصغيرة، ثم داخل كيس حلوى احتفظت به من العرس.

هكذا وُلدت «ملالي»، بإمكانات محدودة جداً، لكن بحلم كبير وإرادة قوية وقصة إنسانية مرتبطة بذكرى والدي.

أوراس تي في: من الواضح أن مشروعك لا يقتصر على الجانب التجاري أو الإبداعي، بل يحمل أيضاً رسالة ثقافية تتمثل في المحافظة على التراث الجزائري. كيف تجسّدين هذا الارتباط في تصاميمك؟

مالحة: أستوحي الكثير من تصاميمي من ذكريات طفولتي ومن تفاصيل الحياة التقليدية في المجتمع القبائلي. ومن أكثر العناصر قرباً إلى قلبي «الكردون»، وهو شريط تقليدي ارتبط لديّ بذكرى جميلة مع والدي؛ فبعد كل حمّام، كان يجفف شعري ثم يلفّه بهذا الشريط حتى يبقى ناعماً. كانت لحظات خاصة تجمعنا، ولا تزال عالقة في ذاكرتي.

ومن هنا جاءت رغبتي في منح الكردون حياة جديدة، من خلال تحويله إلى تصاميم عصرية ومتنوعة، تشمل الأقراط والأساور وأطواق الشعر والأحزمة والحقائب.

كما استلهمت من «الفوطة القبائلية»، وهي قطعة تقليدية كانت تُلبس فوق الفستان، وأعدت تقديمها في أشكال مختلفة، مثل الأوشحة والأقراط وأطواق الشعر.

أحاول من خلال هذه التصاميم أن أجعل عناصر تراثنا حاضرة في الحياة اليومية، وأن أقدمها بطريقة تجمع بين أصالتها وجماليات الموضة المعاصرة.

أوراس تي في: ما الذي يمنحك هذا العمل من الناحية الشخصية؟ وهل تشعرين أنك تمارسين مهنة أم هواية تحولت إلى مشروع؟

مالحة: أشعر بسعادة وفخر كبيرين، لأن عملي يجمع بين شغفي بالإبداع وارتباطي العميق بتراثي الجزائري. بالنسبة إليّ، الأمر يتجاوز مجرد ممارسة مهنة، فهو مساحة للتعبير عن هويتي وذكرياتي ومشاعري.

ويظل الكردون من أقرب العناصر إلى قلبي، لأنه يحمل ذكرى والدي، وأشعر من خلال الاشتغال عليه بأنني أحافظ على جزء جميل من طفولتي. لذلك فإن كل قطعة أصممها تحمل بالنسبة إليّ قيمة فنية وعاطفية في الوقت نفسه.

أوراس تي في: إلى جانب البعد الثقافي، أطلقتِ مبادرة ذات طابع تضامني وصحي. حدثينا عنها.

مالحة: بحكم تجربتي الشخصية ودراستي في المجال الصحي، أصبحت الوقاية والتوعية الصحية من أولوياتي. ولهذا أطلقت مجموعة «ملالي تلتزم»، وهي مبادرة تضامنية تهدف إلى دعم قضايا صحية مختلفة.

أخصص كل شهر جزءاً من عائدات بعض إبداعاتي لدعم جمعية تنشط في مجال صحي معين. بدأت المبادرة بقطع بسيطة، ثم توسعت تدريجياً لتشمل مجموعة متنوعة من المنتجات اليدوية.

أؤمن بأن الإبداع يمكن أن يكون وسيلة لخدمة المجتمع، وأن المشروع الناجح لا ينبغي أن يقتصر على تحقيق أهداف مادية، بل يمكن أن يحمل رسالة إنسانية أيضاً.

أوراس تي في: ما رأيك في تسجيل الحلي واللباس القبائلي الجزائري ضمن التراث الثقافي لدى منظمة اليونسكو؟

مالحة: أعتبر ذلك خطوة مهمة في مسار حماية هذا الموروث والتعريف به على المستوى الدولي، لما يحمله من قيمة تاريخية وثقافية وجمالية.

وبصفتي صاحبة علامة تستلهم تصاميمها من التراث الجزائري، أشعر بالفخر والاعتزاز بكل مبادرة تسهم في صون هذا الإرث، وأتمنى أن يكون الاعتراف الدولي حافزاً لنقله إلى الأجيال القادمة والمحافظة عليه من الاندثار.

أوراس تي في: هل تسعين من خلال تصاميمك إلى تقريب هذا التراث من الأجيال الجديدة، خاصة الشباب الذين يميلون إلى الموضة العصرية؟

مالحة: بالتأكيد، فهذا من الأهداف الأساسية التي أعمل من أجلها. أريد أن أعرّف جيلاً جديداً بجمال تراثنا، وأن أشجعه على اكتشافه والاهتمام به.

من خلال «ملالي»، أحاول إعادة تقديم عناصر تقليدية مثل الكردون والفوطة في تصاميم معاصرة تتماشى مع الأذواق الحديثة، دون التخلي عن أصالتها وهويتها.

فالتراث بالنسبة إليّ ليس مجرد قطع قديمة أو ذكريات من الماضي، بل هو جزء من هويتنا وذاكرتنا الجماعية، ومن واجبنا أن نحافظ عليه ونمنحه مكانته في الحاضر حتى يصل إلى المستقبل.

أوراس تي في: باعتبارك مصممة جزائرية مقيمة في فرنسا، هل تعتبرين نفسك سفيرة للثقافة الجزائرية والقبائلية في بلاد المهجر؟

مالحة: أعتز بأن أساهم، ولو بجزء بسيط، في التعريف بالثقافة الجزائرية والقبائلية في فرنسا. فمن خلال علامة «ملالي»، أشارك قصتي وأقدم إبداعات مستوحاة من جذوري وتراثي، مثل الكردون والفوطة.

أعتبر كل قطعة أصممها فرصة للتعريف بجانب من ثقافتنا، وأتمنى أن تصل هذه الإبداعات إلى جمهور أوسع، وأن تحظى الثقافة الجزائرية بالتقدير الذي تستحقه.

أوراس تي في: هل تشاركين في المعارض والفعاليات المقامة بفرنسا للتعريف بمنتجاتك والترويج للحلي القبائلي؟

مالحة: نعم، أشارك في بعض المعارض والفعاليات بفرنسا لعرض إبداعات علامة «ملالي» والتعريف بها. وتمثل هذه المناسبات فرصة مهمة للالتقاء بالجمهور، والتعريف بقصة المشروع ومصادر الإلهام التي تقف وراء تصاميمي.

كما أنها تتيح لي فرصة الحديث عن التراث الجزائري والقبائلي، وإبراز جمال تفاصيله وقيمته الثقافية من خلال المنتجات التي أقدمها.

أوراس تي في: في ختام هذا اللقاء، ما الرسالة التي تودين توجيهها إلى الجمهور، وخاصة الشباب الجزائري المهتم بالحرف التقليدية والمشاريع الإبداعية؟

مالحة: رسالتي هي أن تراثنا الجزائري كنز حقيقي يستحق منا المحافظة عليه والتعريف به بكل فخر واعتزاز. ومن خلال علامة «ملالي»، أحاول أن أحمل هذا التراث بروح عصرية، وفاءً لهويتي ووفاءً لذكرى والدي الذي يظل حاضراً في كل خطوة من مسيرتي.

أتمنى أن تنتقل هذه المحبة إلى الأجيال القادمة، وأن يبقى تراثنا حياً في تفاصيل حياتنا اليومية، وأن يجد مكانته المستحقة في العالم.

وفي الختام، أتقدم بجزيل الشكر إلى الأستاذ عبد الحميد بريجة على هذا اللقاء واهتمامه بقصتي وبعلامة «ملالي»، كما أشكر أوراس تي في على الاستضافة وإتاحة هذه الفرصة للتعريف بمشروعي وبجانب من التراث الجزائري الأصيل.

حاورها: بريجة عبد الحميد

أوراس تي في

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى