
واشنطن | أوراس تي في
دخل وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث مرحلة جديدة من المواجهة السياسية داخل واشنطن، بعدما تعهد بمقاومة محاولات عزله من منصبه، بالتزامن مع تصاعد الانتقادات الموجهة إليه على خلفية إدارته للحرب الأمريكية على إيران، التي تحولت إلى أحد أبرز أسباب الهزيمة الانتخابية التي مني بها الجمهوريون في انتخابات التجديد النصفي.
وفي رسالة مصورة نشرها الخميس 6 نوفمبر 2026، أكد هيغسيث أنه لن يتراجع أمام الضغوط المتزايدة داخل الكونغرس، واصفا محاولات مساءلته وعزله بأنها جزء من حملة سياسية تستهدفه بسبب القرارات التي اتخذها في وزارة الدفاع.
ودافع الوزير الأمريكي بقوة عن الحرب على إيران، واصفا العمليات العسكرية بأنها جهد «شجاع وتاريخي»، في موقف يعكس تمسكه بالنهج العسكري الذي تبنته إدارة الرئيس دونالد ترامب، رغم تصاعد الاعتراضات داخل الحزب الجمهوري نفسه.
هزيمة انتخابية تفتح جبهة المواجهة داخل البنتاغون
تأتي تصريحات هيغسيث في أعقاب خسارة الجمهوريين السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، في نتيجة انتخابية وضعت إدارة ترامب أمام واقع سياسي جديد، ومنحت الديمقراطيين فرصة توسيع الرقابة البرلمانية على قرارات البيت الأبيض، خصوصا في الملفات العسكرية والخارجية.
ولم تعد الحرب على إيران مجرد ملف خارجي مثير للجدل، بل أصبحت محور خلاف داخل المعسكر الجمهوري، بعدما ربط نائب الرئيس جيه دي فانس الخسارة الانتخابية مباشرة بتداعيات الحرب، داعيا إلى مراجعة الأولويات السياسية، والتركيز على إنهاء المواجهة العسكرية ومعالجة ارتفاع تكاليف المعيشة.
وتكشف هذه المواقف عن تباينات داخل الإدارة الأمريكية بشأن كلفة استمرار الحرب، ومدى تأثيرها على الرصيد السياسي للجمهوريين، خاصة في ظل ارتباط العمليات العسكرية بارتفاع أسعار الوقود والغذاء وتزايد الأعباء على المواطنين الأمريكيين.
توماس ماسي يقود تحركا لعزل وزير الدفاع
على المستوى التشريعي، أعلن النائب الجمهوري توماس ماسي عزمه إعادة طرح إجراءات مساءلة هيغسيث والتصويت على عزله عند عودة الكونغرس إلى الانعقاد، في خطوة قد تحظى بدعم الديمقراطيين، إلى جانب احتمال انضمام بعض الجمهوريين المعارضين للوزير.
وكان ماسي قد سبق أن طرح بنودا لمساءلة وزير الدفاع، على خلفية اتهامات تتعلق بإدارة الحرب على إيران دون موافقة الكونغرس، إلى جانب قضايا أخرى مرتبطة باستخدام القوات المسلحة الأمريكية.
وتشير المعطيات السياسية إلى أن القضية قد تتجاوز الخلاف الحزبي التقليدي، خصوصا مع إعلان عدد من الجمهوريين تحفظاتهم على أداء هيغسيث، إذ اعتبر السيناتور الجمهوري توم تيليس أن الوزير سيواجه حسابا سياسيا، مشيرا إلى أن علاقاته المتوترة مع المشرعين أصبحت عقبة أمام تمرير مشاريع الإنفاق الدفاعي.
وفي المقابل، يعتزم الديمقراطيون فتح تحقيقات موسعة بشأن طريقة إدارة البنتاغون، تشمل إقالة عدد من كبار المسؤولين العسكريين، والقرارات المتعلقة بالقيادة العسكرية، فضلا عن الضربات الأمريكية ضد قوارب يشتبه في تورطها في تهريب المخدرات بالمياه الإقليمية لأمريكا اللاتينية.
ترامب يدعم هيغسيث.. لكن مستقبله ليس محسوما
ورغم تصاعد الضغوط، أعلن الرئيس دونالد ترامب دعمه لوزير دفاعه، مؤكدا أنه يقوم بعمل رائع، ومشيدا بدوره في العمليات العسكرية الأمريكية في إيران وفنزويلا.
لكن هذا الدعم العلني لا ينهي التساؤلات بشأن مستقبل هيغسيث، خاصة مع تداول تقارير عن مشاورات داخل البيت الأبيض حول إمكانية إجراء تغييرات في قيادة وزارة الدفاع، في ظل تقييم تداعيات الهزيمة الانتخابية.
وتبرز هنا مفارقة سياسية، فترامب يتمسك علنا بوزيره، بينما تتزايد الانتقادات داخل الحزب الجمهوري نفسه، ويطالب بعض أعضائه بمراجعة القرارات العسكرية التي ساهمت في تعقيد الوضع السياسي للإدارة.
كما أن العلاقة المتوترة بين هيغسيث وعدد من أعضاء الكونغرس قد تزيد صعوبة تمرير طلب الإدارة المتعلق بميزانية دفاعية تصل إلى 1.5 تريليون دولار، في وقت يستعد فيه الديمقراطيون لاستخدام أغلبيتهم الجديدة لفرض رقابة أكثر تشددا على الإنفاق العسكري.
هل تتحول مساءلة هيغسيث إلى اختبار لسياسة ترامب؟
لا تتعلق المواجهة الدائرة حول هيغسيث بمستقبله الشخصي داخل وزارة الدفاع فقط، بل تمتد إلى جوهر السياسة العسكرية التي انتهجتها إدارة ترامب تجاه إيران، ومدى قدرة الرئيس الأمريكي على مواصلة هذا النهج في ظل تغير موازين القوى داخل الكونغرس.
فالديمقراطيون يستعدون لفتح ملفات الحرب وتكاليفها، بينما يواجه الجمهوريون انقسامات بشأن المسؤولية عن الخسارة الانتخابية، بين من يحمل هيغسيث مسؤولية إدارة الملف العسكري، ومن يرى أن الأزمة ترتبط بخيارات الإدارة السياسية والاقتصادية بصورة أوسع.
ومن الناحية الدستورية، فإن تمرير قرار العزل داخل مجلس النواب لا يعني الإقالة الفورية، إذ يتطلب الأمر محاكمة أمام مجلس الشيوخ والحصول على أغلبية الثلثين لإدانة الوزير وإبعاده عن منصبه، وهو ما يجعل المسار السياسي والقانوني للقضية أكثر تعقيدا.
وفي المحصلة، يجد هيغسيث نفسه أمام اختبار مزدوج: الدفاع عن موقعه داخل الإدارة الأمريكية، ومواجهة تداعيات حرب أصبحت عبئا سياسيا على الحزب الذي أوصله إلى منصبه.
وبين تمسك ترامب بوزيره، وتصاعد اعتراضات الجمهوريين، وتحركات الديمقراطيين لفتح التحقيقات، تبدو وزارة الدفاع الأمريكية مقبلة على مرحلة من التجاذبات قد تتجاوز مسألة بقاء هيغسيث، لتطال مستقبل الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران وحدود صلاحيات الإدارة في اتخاذ قرارات الحرب.
المصادر:
- فرانس 24: تصريحات بيت هيغسيث بشأن محاولات عزله، 6 نوفمبر 2026.
- رويترز: تداعيات الهزيمة الانتخابية على مستقبل وزير الدفاع الأمريكي.
- واشنطن بوست: الضغوط السياسية داخل إدارة ترامب بشأن الحرب على إيران.
- الجزيرة: تطورات التحرك البرلماني لعزل هيغسيث.
- أسوشيتد برس: إجراءات مساءلة وزير الدفاع وصلاحيات الكونغرس.
المحرر شريبط علي



